|
|
موسوعة الحركات الإسلامية والسياسة الأمنية ثلاثون عاماً من الصراع فى مصر الجزء الأول : قضية الفنية العسكرية 1974 قضية الفنية العسكرية 1974 : الفصل الخامس: شهادات هامة تمهيد : - رأينا كيف أن "صالح سريه" في اعترافاته المطولة التي تجاوزت الثلاثمائة صفحة ، قد تناولت – في جانب منها بالتفصيل علاقته بالحاجة "زينب الغزالي" باعتبارها إحدى قيادات جماعة الإخوان المسلمين والتي آوته وأسرته لفترة زمنية ليست بالطويلة ، وأوصلته إلى المرشد الأسبق "حسن الهضيبي" ليتحدث معه في شأن استخدام القوة لإقامة دولة الإسلام في مصر ، ورأينا كيف أن جهات التحقيق كانت حريصة جداً على الاستماع لأدق تفاصيل تلك العلاقة ، بين "سرية" والحاجة "زينب" ، من جهة ، وبين "سرية" وأي قيادة إخوانية أخرى ، ولذلك كان من بين الأسئلة الموجهة لصالح : من هم أقطاب جماعة الإخوان المسلمين الآخرين الذين اتصلت بهم غير "الهضيبي" و "زينب الغزالي" ؟وهو ما أجاب عنه "سرية" بتحديد خمسة أسماء هم : عبد الرحمن البنا والشيخ محمد الغزالي وسيد سابق وصالح أبو رقيق وهارون المجددي وقد رأينا أنه من الضروري لأن نعرض لأقوال وشهادات بعضهم والتي تمت بعد استدعائهم لسؤالهم عما لديهم من معلومات عن تلك القضية وعن الاعترافات التي أدلى بها "صالح سريه" . - ومعظم هذه الشهادات ضمها الجزء الخامس والأربعون من مجلدات تحقيقات قضية الفنية العسكرية والتي وصلت إلى عشرة ألاف ورقة تقريباً . شهادة الحاجة زينب الغزالي رحمها الله تم استدعاء الحاجة زينب الغزالي لأخذ شهاداتها والاستماع إلى أقوالها في مقر نيابة أمن الدولة يوم 30/4/1974 ، وتم استجوابها على ثلاثة مراحل الأولى كانت في تمام الساعة الثانية عشر و40 دقيقة بإدارة مباحث أمن الدولة ، والثانية في تمام الساعة الثانية والثلث مساء من نفس اليوم وكلاهما لاستجوابها فيما تضمنته أقوال المتهم صالح سريه بشأنها ، وأما المرة الثالثة فلم تشر تحقيقات نيابة أمن الدولة لتوقيت إجرائها وإن كانت في نفس اليوم ، وتعلق مضمونها بما ورد في محضر استجواب المتهم طلال الأنصاري . وفيما يلي ننقل شهادة الحاجة زينب الغزالي في الجزء الأول من التحقيقات التي أجريت معها . "س/ ما صلتك بالمتهم صالح عبد الله سريه ؟ ج/ أنا خرجت من السجن بعد تنفيذ العقوبة في قضية الإخوان عام 1965 ، وزارني فضيلة الشيخ الحافظ التيجاني ، ومعه عشرة من الأبناء يهنئوني بالإفراج الذي تم في حوالي أغسطس 1971 ، ودعاني – التيجاني – لتناول الغذاء عنده ،وقد كان زوجي سابقاً قبل المرحوم محمد سالم سالم ، ولبيت الدعوة ورحت تناولت عنده الغذاء وكان معنا وزير سوداني لا أذكر اسمه دعي ليكون معنا في الوليمة ، وكان فيه ناس آخرين من السودان ، وبعد الغذاء وقرب المغرب استأذنا في الانصراف وكان معي شقيقي الشيخ محمد الغزالي ، فاحتجزنا فضيلة الشيخ الحافظ لتناول قهوة مرة أخرى ، واستأذنا ليذهب إلى الزاوية في نفس المكان ولما عاد قال يا أستاذة زينب فيه أستاذ من علماء الحديث ويحب أن يراك ، فوافقت فدخل صالح سريه وقدمه لنا الشيخ الحافظ بقوله : "الدكتور صالح سريه" من أفاضل علماء الحديث وجلسنا حوالي نصف ساعة واستأذنا واحنا خارجين الشيخ حافظ أو أحد أبناءه قال لي :الدكتور صالح ساكن في مصر الجديدة يقدر يركب معك فقلت له يتفضل وكنت أنا وشقيقي الشيخ الغزالي وركب معنا أثنين ،صالح وواحد تاني لا أعرفه من اللي كانوا حاضرين الوليمة ،ولما اقترب التاكسي من مصر الجديدة سألت صالح أنت بيتك فين بالضبط ، فقال إنه في شارع الأهرام فقلت للسائق أدخل من شارع الأهرام ونزل بعد ما طلب مني كارت بعنوان منزلي للتعارف وأعطيته الكارت بالفعل وبعد مدة لا أذكرها اتصل بي تليفونياً بمنزلي وقال أنا صالح اللي التقيت بك في منزل الشيخ الحافظ وطلب ييجي يزورني وجه بعدها بمدة لا أذكرها وقعد يتكلم في علم الحديث وقعد يطلع على مكتبتي وعرفني بأنه من الإخوان المسلمين في العراق وإنه كان مسجون برضه ، واحنا كنا معجبين بك وكنا مفتخرين بك ، وطلب إن زوجته تيجي تزورني واستعار كتاب من كتب الحديث من مكتبتي وانصرف ، وبعد كده جه هو وزوجته وأولاده واتغدوا عندي ومقدرش أحددد تواريخ لأن الكلام ده من سنتين ونصف تقريباً وانصرفوا بعد تناول الطعام وبعد كده بدأ يزورنا باستمرار وفي إحدى هذه الزيارات أبدى عن رغبته في زيارة المرحوم حسن الهضيبي وطلب مني تحديد معه فقابلت الوالد العزيز المرحوم حسن الهضيبي وقلت له يا سيدي الوالد هنا رجل من العراق فلسطيني الأصل يرجو لقاءك وهو من الإخوان المسلمين في العراق ، فأذن المرحوم ... وفعلاً حدد له موعداً تصادف أنه وافق أحد الأيام التي أتناول فيها الطعام بمنزل الوالد العزيز حسن الهضيبي ، فحضر صالح سريه وقابله وبالرغم من وجودي في المنزل لم ألقاه ، وهكذا عادة الهضيبي من يوم ما عرفته رحمه الله ، لا ألقى معه أحد ، وبعد انصراف صالح لم يخبرني المرحوم الهضيبي في أمر ما دار بينه وبين صالح من حديث ونحن من جانبنا كإخوان مسلمين اعتدنا على ألا نسأله عن أمر هو لم يكلمنا فيه وبعد ذلك لمدة لا أذكرها زاراني صالح بمنزلي واشتكى لي بأنه صعبان عليه من المرشد ، لأن صالح كان مفصولاً من جماعة الإخوان في العراق وطلب من المرشد حسن الهضيبي أن يفصل بينه وبين من فصلوه وأنه كذلك ليس في وضع يسمح له بالوقوف على وجهة نظر من فصلوه ، وصالح كان بيهدف إلى أن المرشد يصدر قراراً بأنه ليس مفصولاً ، وأردف إلى هذا أنه يريد إقناعي بقضيته في العراق لعلي استطيع بمنزلتي عند الهضيبي أن اقنعه بسلامة موقف صالح مع الإخوان في العراق ، فقلت له سيب الموضوع لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ، وصار بعد ذلك يزورنا ويزور الهضيبي – وحكيت أنا للهضيبي ما وقع من صالح لي ، فقال لي بإشارة وهو قليل الكلام فهمت منها أنه غير واثق من كلام صالح عن موضوع الخلاف بينه وبين إخوان العراق ، فأنا قلت للهضيبي بس هو بيزورك ويزورنا ، فقال نحن لا نغلق أبوابنا في وجه طارق ، وبعد ذلك أخبرني صالح في إحدى زياراته بأن الشيخ طه الساكت أحد علماء الأزهر مما يزورني فقلت له ده استاذي ........ أني أريد أن يقضي معي يوماً كاملاً ويتناول معي الغذاء وبعد يومين أو ثلاثة لا أدري ، اتصل بي صالح تليفونياً وقال لي إنه في طريقه لزيارتي ومعه الشيخ طه الساكت وفعلاً حضرا في الصباح وأبدى الشيخ اعتذاره عن تناول الغذاء وقرر أنه سوف يصلي بنا الظهر جماعة ثم ينصرف وفرح صالح بقوله ... هذا الدكتور صالح كالكبريت الأحمر النادر بالنسبة للعلم الحديث فوالله يا زينب لقد أوكل إلينا مراجعة كتاب الجامع الكبير للسيوطي على ما أذكر فتعثرنا في مراجعته فاستعنا بفضيلة الشيخ الحافظ كعالم من أعلام الحديث فتعثرنا فأهدانا الله وهدانا إلى صالح سريه فهو الآن يصحح معنا الجامع الكبير لأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام ، ومجمع البحوث الإسلامية ........... من مراجعته معنا فزاد هذا الأمر احترامي لصالح باعتباره من علماء الحديث حسبما أفهمني به أستاذي الشيخ طه الساكت وبعد ذلك ....... ولم أكن أدري ....الذي فوجئت به منه في شهر أبريل الحالي من قراءاتي للصحف وما حدث بتنفيذه في الكلية الفنية العسكرية – هذا الأمر الذي لا يقره إنسان ولا يقره الإسلام وأنا شخصياً بصفتي الإسلامية استنكر ذلك الأمر وأحكم على مرتكبين بأنهم ضد الإسلام – وبعد ذلك أخبرني صالح أنه تعاقد لتدريس علم الحديث في كلية الشريعة بالرياض – وبهذه المناسبة قال لي إن فيه واحد سعودي عاوز يشوفني وهو الشيخ عبد الله عجلان ، فقلت له يدعوه لتناول الشاي معي ، وحضر فعلاً – وبعد ذلك أبلغني صالح أن الشيخ عبد الله التركي وهو سعودي الجنسية وعميد كلية الشرعية بالرياض يطلب لقائي واعطائي رقم تليفونه ، فتحدثت إليه ودعوته للغذاء أو العشاء معي ، ودعوت كذلك الشيخ عبد الله عجلان للعشاء وكانوا جميعاً يبدون اعجابهم بتبحر صالح في علم الحديث مع صغر سنة ، كل ذلك حدث خلال الستة أشهر التالية لخروجي من السجن ، بالإضافة إلى أن صالح عندما تعاقد مع السعودية لتدريس علم الحديث بجامعة الرياض كان بيسكن هو في بيت مفروش ، وأنا بيتي بجانب المطار – فجاء بزوجته وأولاده يقيموا عندي عدة ساعات حتى يذهبوا للمطار للضرب بالطائرة وذهب هو إلى مكتب الطيران السعودي ليحضر التذاكر ، ولما عاد قال إنه أبرق لصديق له في السعودية ليرسل له التذاكر اللازمة لبقية أفراد أسرته ، وفعلاً جت له التذاكر المطلوبة وكل ذلك وزوجته وأولاده وهو عندي في البيت ، وقضوا عندي ليلتين ، وبعد ذلك يوم السفر وكان ودى فعلاً بعض الشنط للمطار وراجع ياخد الشنط الباقين فقال لنا إنه منع السفر ، وبنفس اليوم نزل هو وغاب شوية ورجع قال إنه أحد بيت مفروش في الدقي وأخد زوجته وأولاده في نفس اليوم وراح بيته ، وبعد عشرة أيام جه زارني وقال إن الشيخ عبد الله التركي والشيخ عبد الله عجلان سيحلوا له مشكلة منعه من السفر لأنهم لن يجدوا مثله لتدريس علم الحديث ، وبعد حوالي أسبوع زارنا مرة أخرى وقال إنه عين في الجامعة ولم يطرق حديث السعودية مرة أخرى وأود أن أذكر أنني أقرضت صالح مبلغ مائه جنيه إثر منعه من السفر للسعودية لأنه لم يكن معه نقود على الإطلاق ، ورد لي منه مبلغ 60أو 70 جنيه على ثلاث دفعات ، كما أنني اعطيت أولاده قماشاً من منزلي لأنهم كانوا عرايا وبعد ما التحق بالجامعة العربية وأخد شقة في الدقي وزرته فيها وكانت الزيارة الأولى في شقة سابقة له بمدينة المهندسين قبل تعاقده مع السعودية أما الزيارة الثانية فكانت في عيد الفطر الماضي وكان صالح في سوريا كمندوب للجامعة العربية وكلمني طفل من أولاده تلفونياً وقال ماما عاوزة قزازتين زيت وسكر لأن بابا مش موجود – فزرتهم وأخذت لهم فراخ وسمك وقلت لهم الزيت مش موجود اشوا السمك واعطيتهم عشرة جنيهات عيديه للأولاد ولم أزرهم في بيتهم بعد ذلك ولكن استمرت زياراته لي في منزلي في مواعيد مختلفة وكان أحياناً يحضر كل شهر أو 15 يوم مع تحديد موعد وكان يقول لي مرة إنه مشغول بإعداد كتاب عن فلسطين أو بإلغاء محاضرات في معهد الدراسات الإسلامية أو بتصحيح كتاب الشيخ عبد الحليم محمود ومراراً يقول لي إنه كان مشغول مع الشيخ أبو زهرة بيتناقشوا في علم الحديث أو مع الطحاوي أو الشيخ ... وكان دايماً يقول لي أسماء كبيرة من أئمة الحديث وأود أن أشير أنه يتحدث عن شخص كجيفار متمثلاً به باعتباره إنساناً قد نجح فيما قام به من ثورة في بلده – وكان هذا في مجمل حديثه عن نسق الإخوان المسلمين في مصر والعالم كله وكنت أنا باستنكر أن يشبه الحركة الإسلامية كحركة جيفارا" 0 ( كان كل ما سبق هو نص إجابة الحاجة زينب الغزالي عن السؤال الأول فقط في نص التحقيقات التي أجريت معها وأردت أن أنقله بالنص وحرفياً لعدد من الأهداف : أولاً : بيان طبيعة العلاقة التي جمعت بين زينب الغزالي رحمها الله وبين صالح سريه ، وكيفية تطورها من الناحية الإنسانية التي وصلت لحد الانفاق على أسرته وهو ما لم ينكره سريه وأكد عليه في أقواله المطولة . ثانياً : بيان وتوضيح الجانب الآخر من فكر صالح سريه على لسان زينب الغزالي وهو الجانب الخاص بشغفه بالنماذج الغربية في الثورات التي تطالب بإقامة دولة على أساس مباديء الذين قادوا تلك الثورات مثل جيفارا . ثالثاً : يستطيع القاريء من خلال كلمات وجمل زينب الغزالي عن المرحوم حسن الهضيبي وفهمها للغة الإشارة التي تحدث بها معها عن صالح سرية أن يدرك قيمة هذه السيدة الفاضلة داخل الجماعة وعن جم أدبها وهي تصف المرشد العام للإخوان بــ "الوالد العزيز حسن الهضيبي" . رابعاً : يتضح من كلام زينب الغزالي وهي تتحدث عن لقاءاتها والزيارات المتعددة التي تستقبلها من الإخوان وغير الإخوان ، كيف أنها لم تكن أسيرة تلك النظرة التي كان يتبناها البعض داخل الإخوان أو خارجها عن المرأة ، وآثرت أن تكون نموذجاً يحتذى به في كيفية تحمل المرأة دعوة الجماعة التي تنتمي إليها . - والآن ... نستكمل ما بدأناه من نصوص التحقيقات مع الحاجة زينب الغزالي ... وسنحاول عرضه بشكل موجز مع عدم الإخلال بالمعنى والاحتفاظ بالجمل والكلمات التي أجابت بها زينب الغزالي عن أسئلة المحققين . ركزت نيابة أمن الدولة في أسئلتها التالية لزينب الغزالي على معرفة تفاصيل آخر لقاء تم بينها وبين صالح سريه وقد أجابت زينب الغزالي قائلة : "كان اللقاء الاخير قبل ما نفاجأ بأحداث الكلية الفنية العسكرية المشينة المحرجة بأربعة أيام وأحب أن أرويه نصاً وتفصيلاً وبدقة وقد كنت في منزلي قرب المغرب وحضر لي خادمي وقال لي رجل بره اسمه صالح وكان الخادم ده بيشتغل عندي لليوم التالي ولا يعرف صالح كما أخبرتني بنت شقيقي المقيمة معي وقالت إن الدكتور صالح وصل وقلت لهم إنه يقعد في الفرانده لغاية ما آجي له وبعد برهه تقابلت معه وكان وحده وسألني متى تتزوج بنت أخي الشيخ محمد الغزالي الجبيلي لأني أريد أن أوصلها بسيارتي إلى بيت العريس فأخبرته بأن الزفاف يوم الخميس 18/أبريل فقال لي أنا كان نفسي أحضر هذا الزفاف لكن فيه أخ حيكتب كتابه بعد العشاء يوم الخميس في مسجد الجمعية الشرعية وأمه مكانتش راضية عن زواجه بزوجته لأنها أبنة عامل فأنا اقنعته بأن يرضي أمه ويقنعها فوافقت على الزواج – وصالح لم يذكر اسم هذا الأخ وعقب ذلك أنصرف وحتى مشربش الشاي وقال إنه على موعد مع شخص عراقي اسمه الحاج محسن يصلوا المغرب في جامع عمر مكرم ، وكان هذا هو تفصيل اللقاء الأخير بيني وبين صالح عبد الله سريه ثم فوجئت بتلك الأحداث الدامية " ثم سألها المحقق عما كان يدور بينها وبين صالح من أحاديث بشكل عام في لقاءاتهما ... فأجابت : "ساعات كان بيتكلم عن اعتراضه على خمول حركة الإخوان المسلمين في العالم كما كان يتكلم عن رغبته في تأليف كتاب عبارة عن فهرس للأحادي النبوية كما كان يحكي عن تاريخه وكيف أخرج من فلسطين وكيف قتل أبوه وعن وعن أمه المقيمة في سوريه وأهم حاجة كان مجنون بها هي خروج الإخوان من السلبية أي يعيب في الإخوان السلبية التي تطفي عليهم ... وهذا الكلام فهمت منه الحاجة زينب الغزالي . - حسبما أقرت إنه كان عاوز يعمل تجمع وهي كانت تعارضه وتقول له : "لو بقى الإخوان المسلمون نائمون لا يتنفسون عشرين أو ثلاثين عاماً فيكفيهم أنهم أدوا رسالتهم " ثم انتقلت الأسئلة إلى ما يخص المذكرة التي كتبها صالح سريه وقدمها للمرشد حسن الهضيبي وهي المذكرة التي أقر بها صالح سريه في أقواله بل وحصلت جهات التحقيق على نسخة منها كما هو واضح من مضمون الأسئلة الموجه لزينب الغزالي عندما عرضوا عليها نسخة منها ... وقد أجابت الحاجة زينب الغزالي على ذلك بقولها: "... أنا بصيت في المذكرة ولم أقرأ فيها غير سطور في أولها فأخذها صالح وقرأها عليّ وهي لا تخرج عن كونها تاريخ الحركات الإسلامية وكان صالح عاوز ياخد الإذن من الهضيبي ويطبعها وإذا ما حدث فإن ذلك يكون اعترافاً من المرشد بأن صالح سريه أخ من الإخوان وهو ما كان يصبوا إليه صالح ... وقد أخبرني صالح بعد ذلك بأنه التقى الهضيبي وقرأ له المذكرة فأعرض الهضيبي عنه وقال له ده مش وقته " ووصفت الحاجة زينب تلك المذكرات بقولها : "كانت في كراس زي كراريس الأولاد في المدارس ولم تذكر عدد صفحاتها بل وقالت إنها لا تشبه تلك النسخة التي بحوزة جهات التحقيق لأن الأصل الذي أطلعت على جزء منه كان أصغر في الحجم وله جلده زرقاء كجلده كراريس الأولاد ... " رغم أن بداية المذكرة التي عرضت على الحاجة زينب من قبل جهات التحقيق كانت عن الحركات الإسلامية أيضاً وكان السؤال التالي هو : "س/ ألم يحدثك صالح سريه عن فكرة في خصوص ضرورة التحرك لإقامة حكومة إسلامية عن طريق القوة؟ ج/ لا.. إطلاقاً ، هو بس كان بسفه الإخوان ويصفهم بالسلبية وأنهم فشلوا وإنهم إذا ما عملوش للإسلام فربنا مش حايسيب الإسلام لأنه دينه فقلت له أليس الأجدى يا أخ صالح أن تتجمع العناصر الصالحة من الفلسطنين كل منهم في قريتهم التي أخرجوا منها ويعملوا هناك ولاّ هم الإخوان المسلمين وصايا على الإسلام ، ما تجاهد في القرية التي خرجت منها . ولأن النيابة كانت تبحث عن أي خيط يربط به بين قضية الفنية العسكرية وبين الإخوان المسلمين فقد انصبت أسئلة المحققين مع زينب الغزالي حول هذا المعنى ... ويتضح ذلك من طبيعة الأسئلة الآتية : "س/ تبين من اطلاعنا على المذكرة التي عرضناها عليك أنها تتضمن فكرة صالح سريه من حيث ضرورة تحرك الإخوان للاستيلاء على الحكم وإقامة الحكومة الإسلامية وأنه يجب أن يتم ذلك بالقوة عن طريق نفر يتصدرون الحركة الإسلامية ولا يكون همهم سوى الاستشهاد ؟ ج/ لم يقرأ لي صالح في المذكرة شيء من ذلك . س/ تم اللقاء بين صالح سريه وحسن الهضيبي في هذا الشأن؟ ج/صالح كان بيزور الهضيبي وأنا لم أرتب لقاءه معه غير في المرة الأولى حسبما سبق ان ذكرت. س/ ما قولك فيما يقره صالح سريه من انك أنت التي رتبت اللقاء بينه وبين حسن الهضيبي الذي قرأ عليه فيه المذكرة ؟ ج/ لا – محصلش وهو في هذا كاذب. س/ ما ظروف ترتيبك اللقاء الأول بين صالح سريه والهضيبي ؟ ج/ طلب مني صالح كما ذكرت أن يلتقي بالمرشد العام ليعرض عن قضية فصله من الإخوان المسلمين في العراق فرتبت له اللقاء وكانت نظرتي له وقتها أنه أحد علماء الحديث ولم تكن اتضحت صورته المجرمة التي طالعتنا بها الصحف على غفلة والبلد في هدوء وسكينة بحادث الهجوم على الكلية الفنية العسكرية وعلى العكس فقد أفسد صالح سريه فرحتنا بالقرار الحكيم الصادر عن عاطفة نبيلة وإنسانية *الرئيس أنور السادات بالإفراج عن سبعين ممن سبق الحكم عليهم من الإخوان المسلمين. س/ ألم تعلمي بأي طريقة أن ثمة تنظيم كونه صالح سريه يستهدف الإطاحة بنظام الحكم القائم عن طريق القوة؟ ج/ لا إطلاقاً ولو أن صالح كان قال لي حاجة زي كده كنت أبلغت عنه السلطات المسئولة لأنه خروج أولاً عن التزام الإخوان بعدم العمل مطلقاً وأذكر هنا أمراً للتاريخ وهو أن المرحوم حسن الهضيبي قال لي قبل وفاته وصبيحه العبور ما رأيك فيما وقع فقلت له شيء جميل للغاية وعظيم كذلك فقال لي إذن نحن متفقون فاخذت يده وقبلتها وكانت عادتي عندما أعجب بكلمة يقولها أن أقبل يده وقال لي نحن نعتبر الإخوان المسلمين في هدنة طويلة الأجل مع أنور السادات وندعو له ان يوفقه الله في تميم رسالته وسألني الهضيبي أيه رأيك في اللي عمله الجيش فقلت لقد اثبت الجيش المصري أنه عندما تتاح له الفرصة وتكون القيادة هادئة يفعل الأعاجيب إن شاء الله ذلك الجيش سيجعله الله المحرر لأرض الإسلام فقال لي المرشد وهو يبتسم أنا أريد دردشة لا خطاباً وعلى كل حال كويس احنا مثقفين" (نقلت بنصها وتشكيلها من محضر التحقيقات) شهادة الشيخ محمد الغزالي لم تختلف شهادة كل من الشيخ محمد الغزالي والشيخ سيد سابق عن المتهم الأول في قضية الفنية العسكرية صالح سريه فقد اتفقا على عدم معرفتهما بصالح سرية وإن اختلفت الألفاظ المستخدمة في إنكار معرفته وإن كانت لا تخلو من احتمالية المعرفة العامة الواردة طبقاً لطبيعة عمل كل منهما. كما لا تخلو شهادة الذين أكد صالح سريه على معرفته الوطيدة بهم من إدانة واستنكار لما قام به من محاولة لقلب نظام الحكم بل وكانوا على استعداد لإبلاغ السلطات المصرية لوقف هذه المهزلة حسب نص تعبيرهم . كما اتفق الشهود في أقوالهم على الإشادة بعصر الحرية الذي يعيشونه في ظل الرئيس المؤمن محمد أنور السادات والذي أفرج عن بعضهم وأعادة للحياة مرة أخرى.. ونبدأ بشهادة الشيخ محمد الغزالي التي تمت معه في 1/5/1974 الساعة 2.10 ظهراً والذي قال فيها مجيباً عن سؤال : "س/ما صلتك بصالح عبد اله سريه ؟ ج/ هذا الشخص لم يسبق لي معرفته أو الالتقاء به وقد اطلعت على صورته المنشورة في الصحف وأجهدت زهني كي أتذكره ولكن في النيابة لم أتوصل إلى أنه قد سبق لي الالتقاء به أو معرفته وأنا أقرر أنه بنسبة 99% لا أعرف هذا الشخص أما الواحد في المائة الباقي فإني استطيع أن أقول أنه ربما يكون هذا الشخص قد حضر إلى مكتبي بوزارة الأوقاف وفي زحام العمل الشديد على مكتبي لم تع ذاكرتي اسمه أو شكله وأنا انسب نسبة الواحد في المائه ازاء العجز البشري لذاكرة الإنسان وإن كنت في النهاية أقطع أني لا أعرف هذا الشخص ولم يسبق لي اللقاء به . س/ وما قولك فيما أقره صالح عبد الله سريه في التحقيق من أنه قابلك مرتين كانت احداهما عام 1970 بمكتبك بوزارة الأوقاف حيث سلمك كمية من الشاي كان قد أرسلها إليك الشيخ عبد الرحمن محمود المنتدب للتدريس بالعراق وأنه جالسك في ذلك المرة لمدة تزيد عن الساعة تحدثتما فيها عن الإسلام عموماً؟ ج/ الأستاذ عبد الرحمن محمود ده تلميذي فعلاً ومنتدب للتدريس في العراق وأرسل لي شاي عدة مرات مع عدة أشخاص ولا اتبين منهم صالح سريه وقد يكون من بينهم وقد لا يكون لأن ملامحه غائمه في نفسي وأما الكلام في الإسلام فهذا عملي لأني أحدث كل الناس عن الإسلام ولي 31 كتاب عن الإسلام وأنا من 1942 اعمل خطيباً بالمساجد ومنذ تولي السيد الرئيس انور السادات الحكم عينني مديراً عاما للدعوة بوزارة الأوقاف فالكلام في الإسلام مع أي شخص شيء طبيعي بالنسبة لي في المسجد أو في المنزل أو في الشارع أو في المكتب . س/ وقرر صالح سريه أنه التقى بك مرة أخرى سنة 1971 عندما اصطحبت صالح السامراني الأستاذ1 بجامعة بغداد بناء على رغبته في التعرف عليك وكان ذلك اللقاء في مكتبك ؟ ج/ أنا لا أذكر هذا اللقاء ولا أذكر شخص حضر لي اسمه السامراني كما أني لا أذكر صالح سريه وانا بيحضر لي ناس كتير وبعضهم يسألني عن سبب فصلي من جماعة الإخوان 1954 فأحيلهم على كتابي المعنون من معالم الحق والذي شرحت فيه أسباب الخلاف الذي نشب بيني وبين الأستاذ الهضيبي والذي انتهى بصدور قراره بفصلي . س/ بماذا تعلل ما ذكره صالح سريه من لقاءه بك أكثر من مرة في حين انك لا تذكر ذلك ؟ ج/ أنا لا أذكره ومكتبي يومياً يدخله اكثر من مائتي شخص وفيه سكرتاريتي أربعة موظفون للتعرف على حاجات الناس ومشاكلهم فكيف يتسنى لي أن أذكر هذا الشخص إن كان قد حضر لي في مكتبي فيما يقرر – وإنما قرأت اسمه لأول مرة في الصحف بمناسبة نشر حادث الهجوم على الكلية الفنية العسكرية وهذا الحادث حادث اجرامي شنيع لا يجوز أن يرتكبه مسلم ولا وطني ولا ينتفع به إلا الصهاينه وأعداء العروبة والإسلام ولا يمكن أن يفكر فيه عاقل – بل أول ما قرأت هذه الأنباء دار في ذهني أن هذه مؤامرة صهيونية من عمل الأعداء وعملاء الاستعمار وما يخطر في بالي أنه رجل مسلماً يفكر في مثل هذا العمل المنكر وأنا أقرر هذا بصفتي أحد علماء الإسلام وحتى المسلمين العوام يرفضون مثل هذا المسلك وأضيف أن الرئيس محمد أنور السادات أجرى الله على يديه خيرا كثيراً لمصر فقد كان وجهنا أسود من الهزيمة التي عانتها البلاد عام 1967 فلما عبرنا القناة وقاتلنا برجوله وساق الله لنا هذا الخير على يدي الرجل المؤمن فرحنا به وتفاءلنا خيراً لمستقبلنا على يديه واعتقدنا أن أنور السادات بهذا أصبح محلياً وعالمياً من رجال التاريخ وأنه رد إلي العروبة اعتبارها – فضلاً عن أنه وطد الحريات في مصر ورد للقانون اعتباره وكرامته وفتح بيوتاً كبيرة كانت مغلقة وأغلق المعتقلات التي كانت مفتوحة وله علي فضل شخصي فقد كنت مظلوماً فأنصفني بأنه أسند إلى منصب مدير عام الدعوة الذي كان استحقه منذ ثلاث سنوات وظل شاغراً طيلة هذه السنوات الثلاث وثانياً نفذ أمر الرئيس السادات برفع المصادرة عن الكتب التي الفتها وكانت بعنوان كفاح دين والتعصب والتسامح ومع الله دراسات في الدعوة والدعاة دي رفع عنها المصادرة وكان عدده 15 ألف نسخة وردني للإذاعة والتلفزيون بعد أن كنت ممنوعاً عنها فبأي وجه نتقبل مثل هذا العمل الإجرامي الذي قام به المدعو صالح سرية ثم أني أثني علناً في خطبي للجمعة بمسجد عمرو بن العاص على الرئيس أنور السادات وأشيد بأنه أعطاني حق الكلام وكنت محروماً منه ولما انتصر الرئيس على مراكز القوى في ثورة التصحيح توجهت لمنزله لأؤيده فأكرمني وبنى بيني وبينه صلة قلبيه . س/ هل يمكنك التعرف إذا شاهدت صالح سريه على ما إذا كان قد حضر لك فعلاً في مكتبك كما يقرر ؟ ج/ أنا شفت صورة في الجرائد ولا أذكر هذا لاشكل فعلاً . س/ قرر صالح سريه في أقواله أنه عندما حضر إليك في مكتبك مع صالح السامرائي تحدث معك عن ظروف فصلك من الإخوان فأفهمته بأن مثل هذا الحديث ليس محله المكتب وأعطيته عنوان منزلك ليحضر إليك وإن كان لم يحضر إليك بعد ذلك ؟ ج/ الواقعة كلها لا أذكرها ، أنا احب أقول أني بأعطي عنوان بيتي لمن يريد أن يحضر لي فالمفروض أني داعية من دعاة الإسلام ومكتبي وبيتي مفتوحين للجميع في هذا الشأن ونشاطي كله علني وليس لي أي نشاط مشوب ومعروف عني هذا فكوني أعطي عنوان منزلي لشخص هو في هذه الحدود أمر طبيعي وإنما كوني أعطيت العنان لصالح هذا بالذات من عدمه وكونه زاراني في مكتبي كما يقرر من عدمه فهذا لا أذكره . س/ ألم يكن في علمك أن ثمة تحركات مشبوهة في مجال الدعوة الإسلامية قبل حصول حادث الكلية الفنية العسكرية ؟ ج/ لا إطلاقاً . س/ ألديك أقوال آخرى ؟ ج/ لا . ( نقلت بنصها وتشكيلها من محضر التحقيق مع الشيخ محمد الغزالي "محضر سماع أقوال" ) شهادة الشيخ سيد سابق (رحمه الله) أما الشيخ سيد سابق محمد التهامي فقد كانت هذه شهادته التي أدلى بها في 4/5/1974 الساعة 11.30 صباحاً واستمرت ساعة كاملة .... "س/ ما صلتك بصالح سريه ؟ ج/ لا صلة لي به وأنا بيتردد علي في مكتبي بالوزارة كتير من الناس ليسألوني عن فتاوى دينية ليعرفوا الحل للمشكلات التي يتعرضون لها ولاسيما فيما يتصل بقضايا الطلاق لأنهم يعرفوني عن طريق نور على نور في التلفزيون وعن طريق الإذاعة وكتبي الدينية ولاسيما كتاب فقه السنة ومن هذا فمن الجائز أن يكون صالح هذا قد حضر ضمن هؤلاء في مكتبي ولكني في الواقع لا أعرف اسم هذا الشخص ولا شكله إلا لما شفت صورته في الجرائد بمناسبة حادث الكلية الفنية العسكرية . س/ ما قولك فيما قاله صالح سريه في التحقيق من أنه زارك في مكتبك بوزارة الأوقاف مرتين ؟ ج/ أنا معرفش ومن الجائز أن يكون قد حضر ضمن من يحضرون إليّ للاستفسار عن موضوعات دينية . س/ وهل يدخل في نطاق واجبات وظيفتك بوزارة الأوقاف إعطاء فتاوى للناس ؟ ج/ أنا أعمل في مجال الدعوة الإسلامية من ثلاثين عاماً تقريباً وكثيراً ما أظهر في برامج تليفزيونية وإذاعية تتناول النواحي الدينية التي أعطيتهم إياها إجاز على استفساراتهم . س/ قرر صالح عبد الله سريه أنه زارك في مكتبك بوزارة الأوقاف في نهاية عام 1971 للمرة الأولى حيث جالسك لمدة حوالي ساعة تحدث معك فيها عن كتبك التي الفتها عن فقه السنة ويخرج من هذا على الحديث معك عن الإخوان المسلمين بأنه منتمِ إليهم – فما قولك ؟ ج/ أنا لا أذكر شيء من هذا ؟ س/ وما قولك فيما قاله صالح عبد الله سريه أيضاً من أنه زارك مرة أخرى في مكتبك بعد تلك الزيارة بأسبوع ليكمل حديثه معك بشأن ما حدث بين الإخوان عام 1954 وأنه وجد عندك آنذاك البهي الخولي وجرى بينكم حديث حول أوضاع الإخوان المسلمين والعمل الفدائي الفلسطيني – فما رأيك في هذا أيضاً ؟ ج/ والله لا أذكر شيئاً من هذا إطلاقاً البهي الخولي عندنا بيدرس في التدريب بيدي دروس ومحاضرات للائمة لكن لا أذكر هذا اللقاء أبداً . س/ هل تقطع بأنك لم تلتقي بصالح عبد الله سريه إطلاقاً ؟ ج/ أنا لا أعرفه وأقسم على ذلك لكني لا استطيع أن أقطع بعدم رؤيتي له لأنه من الجائز أن يكون قد حضر فعلاً ضمن المترددين على مكتبي للإفتاء في الأمور الدينية وأنا معروف في مجال الدعوة الإسلامية والافتاء في الدين في كل أنحاء الجمهورية بل وخارجها أيضاً . س/ألم يبلغك أي معلومات في شأن صالح عبد الله سريه؟ ج/ لا أعرف عنه شيئاً وأنا معرفش حاجة عنه إلا من الجرائد لما نشرت صورته بمناسبة حادث الكلية الفنية العسكرية . س/ ألم يتصل بعلمك ان صالح عبد الله سريه قد أنشأ تنظيماً يستهدف قلب نظام الحكم بالقوة لإقامة دولة إسلامية بمصر ؟ ج/ لا إطلاقاً وأنا كرجل من رجال الدين أقرر بأن هذا العمل خروج عن الإسلام وانه فكرة تخدم المستعمر والصهيوني وأن هذا العمل ضار بالوطن العربي والإسلام وأن كل جهدنا يجب أن يتجه إلى محاربة الصهيونية واسرائيل كما أنه يعتبر محاربه لله وللنص الشرعي لقول الله سبحانه وتعالى "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا او تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف" ولا يجوز أن نحكم على إنسان من أهل القبلة بالكفر ما دام قد نطق بالشهادتين فمن قالها فقد عصم دمه وماله وقد أفتى العلماء بأن المسلم يحكم له بالإسلام مهما ارتكب من كبائر وموبقات ولو كان هناك احتمال إسلامه بنسبة 1% واحتمال كفره بنسبة 99%. س/ ألديك أقواله اخرى؟ ج/ أحب أن أقول أنه ما شعرت بالأمن شخصياً وبالحرية في أي وقت من الأوقات كما أشعر بها الآن في عهد الرئيس محمد أنور السادات وفي عهده أوفدت من قبل الوزارة لأمريكا للدعوة للإسلام فيها وتقديراً لسيادته أرسلت له من المطار برقية حييته فيها وشكرته ودعوت الله له ........" ( نقلت بنصها وتشكيلها من محضر الجلسة ) الشهادة العكسية لطلال الأنصارى أحد المتهمين المحكوم عليهم بالاعدام فى الفنية العسكرية تمت هذه الشهادة فى مقابلة شخصية بين المحرر الصحفي وطلال الأنصارى فى مكتبه بالأسكندرية وكان نص الشهادة كالتالى : "بسم الله والحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله.. أنا طلال محمد عبد المنعم الأنصارى – المحامى وأبلغ من العمر الآن – وقت تسجيل هذه الشهادة التاريخية 54 عاماً وعندى خمسة أطفال، وقد استجبت لطلب كل من الأخويين العزيزيين الأستاذ مختار نوح المحامى المعروف وكاتب هذه الموسوعة، والأستاذ محمد حسين بكر على أبوهميلة ، الشهير بـ محمد على الصحفى بجريدة صوت الأمة والمشارك فى إعداد هذه الموسوعه للإدلاء بشهادتى فيما يخص قضية الفنية العسكرية عام 1974، وإحب ان اقول أن كل ما يربطنى بأحداث تاريخية هامة حدثت منذ ثلث قرن تقريباً هى ذكريات ومشاعر عاطفية لا زالت فى القلب حتى الان، الى جانب كونها شهادة للتاريخ منى بصفتى أحد المشاركين فى وقوعها وذلك خدمة للتاريخ والأجيال المقبلة. واذا تحدثت عن قضية الفنية العسكرية عام 1974 فلابد من استدعاء الأحداث والمناخ السياسى الذى كانت عليه مصر فى هذه الفترة، وهى فترة ما بعد عام 1967 – عام النكسه الناصرية فالمؤرخون والكتاب فى العصر الحديث يؤرخون لخمس نكبات تعرضت لها الامة فى العصر الحديث، كلها أدت بالمسلمين الى ما نحن فيه الآن.. أولها كان ضياع الأندلس منذ ما يقرب من خمسمائه عام وما صاحبها من تداعيات وعداوة أوروبا للمسلمين حتى الان، وثانيها هى سقوط الخلافة الاسلامية فى تركيا على يد كمال الدين أتاتورك عام 1924 وما صاحبها من مآسى للامة، والثالثة هى ضياع اكثر من نصف فلسطين عام 1948 وسقوطها فى يد اليهود، والرابعة نكسة 67 حيث ضاع ما تبقى من فلسطين، أما الخامسة والتى اتمنى من الله آن تكون الاخيرة – فهى سقوط بغداد فى يد الامريكان. كان تأثير النكسة فى 1967 شديداً ورهيبا على الشعب المصرى حتى اننى قابلت داخل السجن الطبيب الخاص للرئيس الراحل جمال عبد الناصر الدكتور على العطفى الذى كان متهماً بتهمتين الأولى التخابر مع امريكا والثانية التى كتب فيها الكاتب الصحفى عادل حمودة كتابا بأكمله" من قتل عبد الناصر " وكانت استخدامه لدهان سام للقتل البطن لعبد الناصر وانا اعتقد فى براءته من هذه التهمة الباطلة، وقد سالته: متى اصيب عبد الناصر بالذبحة ؟وكنت اتوقع ان تكون الاصابة قد حدثت فى عام النكسه من هول الصدمة أو بسبب انفصال مصر عن سوريا عام 1962 أو بسبب ما حاق بقواتنا المسلحة من خسائر فى اليمن، ولكنه فاجأنى أن كل هذه المصائب لم تؤثر فى عبد الناصر ولكن الذى أصابه بالذبحة كانت التقارير التى وصلته عن هتاف طلبة جامعة الاسكندرية ضده وعلى رأسهم طلبة كلية الاهندسة عام 1968، (ا يسقط عبد الناصر) كان ذلك هو أول رد فعل حقيقى على هزيمة 67،أان أفاقت الامة من غفوتها وايقنت ان الشعارات الناصرية كانت غير أمينة وكان من الطبيعى ن يتجه فكر الناس ووجدانهم الى البحث عن طوق النجاة، وكان ذلك الطوق هل الحل الاسلامى او الاسلام شكل عام، وحدث تعلق وارتباط من الناس بكل ما هو اسلامى. اضف الى ذلك ظهور حركة رفض للامة كلها للأوضاع وقتها، حدث هذا الرفض على يد الحركة الطلابية بجامعات مصر، وخاصة جامعة الاسكندرية، حيث تشكلت تجمعات طلابية تنتقد من خلال مؤتمراتها ومجلاتها الأوضاع فى المجتمع المصرى وخاصة الاحكام التى أعقبت هزيمة 67 وحملتها على شماعة تقصير ضباط الطيران.. هذه الحركة الطلابية انتشرت فى كل ربوع مصر، أيضا وجود القوات الاسرائيلية على ضفة القناة كانت تستفز كل مشاعر المسلمين والمصريين وتجسد هذا الاستفزاز فى قيام حرب الاستفزاز.. واستمرت بمصاحبة حدوث نهضة فى المساجد وخاصة فى الاسكندرية. شهدت الاسكندرية فى هذا التوقيت صحوة إسلامية على يد مجموعة من العلماء والمشايخ الذين استنهضوا همة الامة الاسلامية، وفى مقدمتهم الشيخ محمود عيد إمام المجاهدين فى العصر الحديث والذى يعيش الان فى الكويت، وقد شارف على التسعين عاماً وكان إمام مسجد السلام بحى ستانلى، وكان هذا المسجد منبرا للمعارضة الحقيقية، وقد كان فى السابق إمام وخطيب مسجد غزة بفلسطين، وبعد سقوطها فى أيدى اليهود أجبروه على ترك فلسطين ، فجاء الى الاسكندرية مباشرة وعين اماما وخطيباً لمسجد السلام، وحوله الى قاعدة اسلاميه شعبية مناهضة لحكم عبد الناصر فتجمعنا حوله،أيضا كان الشيخ أحمد المحلاوى يستعد بصحوته بعد ظهور الشيخ عيد، وتجمع حوله مجموعة كبيرة من الشباب الغيور على مصر والاسلام كما كانت هناك جمعية أنصار السنة المحمدية التى قامت بدور حقيقى فى لافترة من عام 1966 الى عام 1975 حيث كانت هى النشاط الشرعى والرسمى داخل مصر، وعلى مستوى التيار الاسلامى كانت هى النشاط الدينى الوحيد المسموح به رسمياً، فكانت مساجد وزوايا أنصار السنة المحمدية بؤر رفض حقيقة لعبد الناصر، وكانت تمثل تغطية مؤقتة لغياب الجماعة الوحيدة المعبرة عن التيار الاسلامى آنذاك وهى جماعة "الاخوان المسلمين" وداخل مساجد انصار السنة وبعد الضربه القاصمة للاخوان المسلمين عام 1966 فى عهد عبد الناصر، ولدت بوادر الصحوة الاسلاميين من جديد. فى عام 1968، كنت وقتها فى مدرسة الناصرية الثانوية بحى باكوس بالاسكندرية، وبدأت أولى خطواتى نحو الانضمام للتيار الاسلامى بهذه المدرسة، وتعرفت على معلمى الاولى وشيخى الحقيقى وهو الاستاذ" محمد "بسيونى وكان آنذاك يشرف على تربية مجموعة مكونة من ثلاثين رجلاً كانوا هم التشكيل التنظيمى الوحيد فى مصر والذى بدا بداية حقيقية عقب محنة الاخوان عام 66، وهذه المجموعة كانت تتبنى افكار ومنهج الاخوان المسلمين، وبالتحديد أفكار سيد قطب، ومحمد قطب، وكانت هذه المجموعة تجتمع فى بيت الاستاذ محمد بسيونى وعرف منهم واعلامياً بعد ذلك رفاعى سرور الشهير برفعت سرور، وهو أحد المفكرين الحقيقيين لتنظيم الجهاد فيما بعد، وأحد المؤثرين فكريا فى شخصية "عبود الزمر" وهو الان صاحب دار نشر، وكان آنذاك مجنداً فى القوات المسلحة المصرية ومتخرجا بإحدى المدارس الصناعية الفنية بالاسكندرية . كان منهم ايضاً وجدى غنيم، الداعية الاسلامى المشهور الان، واحد أبرز الاسماء من دعاة الاخوان المسلمين الان، وكان معهم ايضا الشيخ شاهين كاشف من اقطاب السنة المحمدية فى هذا الوقت واحد ابرز خطبائهم... هؤلاء وغيرهم شكلوا أول تشكيل تنظيمى إسلامى حقيقى بعد محنة الاخوان عام 1966. انضممت إليهم عام 1968 وبدأت أتعلم أول مبادئ الاسلام على يد هذا الرجل لصالح الشيخ محمد بسيونى، وافهم ماهى جماعة الاخوان المسلمين التى كان الاقتراب منها فى هذا التوقيت مغامرة بل مخاطرة كبرى، خاصة بعد توارث المجتمع المصرى لمفاهيم الرعب من الاجهزة الأمنية وقوة نظام عبد الناصر فى السجون والتى سمع بها الناس فى كل مكان، فكان الخوف مسيطرا على الجميع، وكان لفظ الاخوان المسلمين كافياً لإلقاء الرعب فى نفوس الناس. وهنا لابد من ذكر حقيقة تارخية هامة ، وهى أن الجيل الذى انتمى للاخوان فى هذه الفترة قد اختبر اختباراً حقيقياً، لأنه واجه الرعب بكل ما تحمله الكلمة من معانى، أما بعد منتصف السبعينات فكان الاخوان زينة والانضمام اليهم موضه ودخل الاخوان كل من هب ودب.. وهذا هو الفارق بين الجيل الذى انتمى للاخوان قبل 1975 والجيل الذى انتمى بعد ذلك. كما تجدر الاشارة ايضاً الى خطأ تاريخى وقع فيه كل من كتب عن تاريخ الحركة الاسلامية المعاصرة فى مصر، حيث كتب كل من عادل حمودة ورفعت سيد أحمد وهالة مصطفى وأيمن الظواهرى.. وغيرهم ممن اجمعوا على أن ميلاد الحركة الاسلامية كان فى القاهرة وهذه مغالطة تاريخية إذ أن الاسكندرية هى التى شهدت هذا الميلاد، وفى أحضان جمعية انصار السنة المحمدية بالاسكندرية وفى اوساط الشباب الثانوى ثم امتدت الى الجامعات، ونحن هنا نتكلم عن فترة ما بعد محنة الاخوان فى 1966 أى نتحدث عن 67 وما بعدها، فالجميع يجهل هذه الحقيقة لسبب بسيط وهو أن أبطال هذه الاحداث لم يتحدثوا من قبل، ومن هنا جاء الخلل فى كل ما كتب. بانضمامى أنا ومجموعة الشباب فى الثانوى لتشكيل الشيخ محمد بسيونى، حدث امتداد أفقى كبير لهذا التشكيل التنظيمى، حيث انتشرت سريعاً فى كل مدارس الثانوى بالاسكندرية كما انطلقت الى الجامعة. فى هذه الفترة، وضع لنا منهج ثقافى يرتكز فى الاساس على فكر القطبين سيد ومحمد قطب، فدرست لنا مجموعة من اشهر كتب سيد قطب على راسها كتابه "معالم فى الطريق "وأجزاء كاملة من تفسيره" فى ظلال القران "و"المستقبل لهذا الدين" ، ولمحمد قطب درست " هل نحن مسلمون"و"جاهلية القرن العشرين" و"شبهات حول الاسلام".. هذه كانت اشهر كتب سيد ومحمد قطب وكنا تتداولها سراً بعد منع طباعتها وتوزيعها، وكانت النسخ المتبادلة بيننا من مكتبة وهبة أو مهربة من دور النشر البيرويتية، أو مهربة الينا من السودان. كما درسنا كتب المنظر الاخوانى الشهير" فتحى يكن" وكتب" سعيد حوى" وخاصة "جند الله.. ثقافة وأخلاقا"ً وتحديدا أول 70 صفحة من الكتاب والتى كانت تتحدث عن واقع الدول الاسلامية وما يشهده الواقع الاسلامى من ردة ..وذلك انطلاقاً من تفسير معاصر وحديث لقول الله عز وجل "إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى، الشيطان سول لهم وأملى لهم، ذلك بأنهم قالواللذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم فى بعض الأمر والله يعلم إسرارهم"سورة محمد 25، 26" واستند سعيد حوى هنا لحقيقة وجود ردة فى المجتمع المسلم وقتها، بولائه السياسى لأحد المعسكرين والشرقى او الغربى، واعتبر ان مجرد ابداء الاستعداد للدخول فى الولاء السياسى والاقتصادى لأى من الكتلتين الشرقية او الغربية انما هو من قبيل الردة عن الاسلام. ايضا من الكتب التى تركت فينا انطباعاًمؤثراً ودرست لنا، كتاب "بهى الخولى" وهو أحد قيادات الاخوان، وكان الكتاب بعنوان "تذكرة الدعاة" ويتحدث عن شروط ومواصفات الداعية الناجح ودرست هذا الكتاب بالتفصيل. ايضا درسنا كتاب " خمس رسائل للشباب المسلم "للدكتور محمد البهى، وشرحه لنا بالتفصيل الاستاذ محمد بسيونى فى بيته الى جانب كتب الشيخ محمد الغزالى – رحمه الله منها "الزحف الأحمر" و"معركة المصحف"و"عقيدة المسلم" و"ليس من الاسلام" وكانت كلها كتب مؤثرة فينا وفى ثقافتنا ورؤييتنا للواقع الاسلامى، ولا انسى كتاب الشيخ الغزالى "فى موكب الدعاة" للغزالى وهو الكتاب الوحيد الذى تعرض فيه والغزالى لتاريخ الحركة الاسلامية- او الاخوان – وانتقد بعض سلبيات الاخوان وطبع من هذا الكتاب اكثر من نسخة كان الغزالى يحذف ويضيف الجزء الذى ينتقد فيه الاخوان بحسب علاقته كل مرة بالجماعة ! الى جانب تلك الكتب المعاصرة، درسنا كتاب "زاد المعاد" للامام ابن القيم وخاصة باب الجهاد فى سبيل الله... فى هذه الفترة درسنا تاريخ جماعة الاخوان المسلمين بالتفصيل منذ النشأة فى الاسماعلية على يد حسن البنا وحتى عام النكسة 67 وما تعرض له الاخوان عام 66، وكانت هذه المعلومات بالنسبة لنا فى غاية الغرابة، لأن هذا التاريخ لم نقرأ عنه فى الصحف وكان مطموساً.. فكنا الفئة الوحيدة التى عرفت تاريخ الاخوان وأمجادهم فى حروب 48، والقناة فى الخمسينات، ثم المحن التى لحقت بهم فى48،54،66 ودرسنا بعض مواقف الاخوان الشهيرة مثل مظاهرة عابدين الشعيرة عام 1954 وتكرست فى مشاعرنا عظمة الاخوان وبطولاتهم التاريخية فى سبيل الله، وكنا فى هذه المرحلة من عمرنا المبكر نعتبر الاخوان هم القدوة والمثل واعتبرنا انفسنا وقتها الامتداد الحقيقى لجماعة الاخوان الذين كانوا وقتها فى غياهب سجون عبد الناصر، واستمرت حركتنا تتسع وتتزايد الى أن جاء عام 1970 وجاء السادات على رأس الحكم وصاحبه مقدم الباب شنودة على سدنة الحكم فى الكنيسة القبطية المصرية. وشهد عام 1971 مرحلة جديدة للتيار الاسلامى فى مصر والتاريخ والواقع السياسى المصرى حيث أمر السادات أجهزته الامنية برفع يدها عن النشاط الاسلامى فى مصر فزادت الصحوة الاسلامية وانتشرت خاصة فى الاسكندرية، وصاحبها موجه تشدد مسيحية وشهدت مصر لأول مرة – توزيع منشورات من الاقباط يطالبون فيها بمزيد من المكاسب السياسية لهم باعتبارهم اصحاب الحق الاول فى مصر وان المسلمين مغتصبين لمصر منهم – بل وصاحب ذلك موجة شائعات كبيرة عن تنصير المسلمين. كان مجيئ السادات قد مثل دفعة للتيار الاسلامى وللحركة الطلابية، وطالب الجميع بضرورة غسل عار نكسة 67 واسترداد سيناء من اليهود وفى ظل هذا المناخ توسعت المجموعة التى كنت انتمى اليها وقوى هذا التشكيل التنظيمى.. وبخروج اول دفعه من الاخوان عامى 70/72 من السجون،ومن بينهم حسن الهضيبى المرشد الثانى للاخوان، وزينب الغزالى، وشكرى مصطفى، ومحمد ابراهيم سالم.. وكلها اسماء معروفه على مستوى قيادات الاخوان. ولما كنا تعتبر انفسنا امتدادا طبيعيا للاخوان المسلمين فقد سارعنا اليهم فورا عقب خروجهم من السجن، وتحديدا ذهبنا للشيخ "على عبده اسماعيل" وهو شقيق الشهيد عبد الفتاح اسماعيل الذى نفذ فيه حكم الاعدام عام 1966 كواحد من قيادات الاخوان كما تم تنفيذ حكم الاعدام فى كل من الشهيد سيد قطب ويوسف حواش، وكان الشيخ على عبده اسماعيل من بين المفرج عنهم فى عهد السادات مع المجموعة الاولى – وكان خطيباً لمسجد سلطان بالاسكندرية، وذهبنا اليه وافصحنا له عن هويتنا، فذهل من وجود هذا التنظيم واستمراره طوال كل هذه السنوات، ولعب الدور الاكبر فى تطوير علاقتنا الرسمية بجماعة الاخوان على ثلاثة مراحل.. الاولى مع احد ابرز قيادات الجماعة بالاسكندرية وهو المرحوم محمد ابراهيم سالم، ثم المرحلة الثانية مع المرحومة زينب الغزالى، ثم واخيراً فى المرحلة الثالثة بايعنا على يديه المرشد العام للاخوان الاستاذ حسن الهضيبى واصبحنا من الاخوان رسمياً. ومحمد ابراهيم سالم من عائلة اخوانية، فشقيقه الاكبر من قيادات الاخوان فى 1954 الذين هربوا من مصر الى المانيا وظل هناك حتى مات وانضم محمد الى الاخوان عام 1965 وهو من الاسماء البارزة التى تحملت كل صنوف العذاب فى السجن العربى فى الستينات، وتحدث عنه الاخوان فى تلك الفترة ووصفوه بأنه صاحب صيام الـ 100يوم متواصلة أثناء التعذيب.. ورغم ذلك فقد انتهت علاقته بالاخوان علاقة مأساوية، حيث فصل من الاخوان المسلمين واتهم بأنه يكون جماعة من داخل الجماعة وتم التحقيق معه من قبل مكتب الارشاد وتحديداً من قبل اثنين من أعضائه هما عباس السيسى وجمعه امين وقررا فصله من الجماعه عام 1975 اثناء المحاكمات الاولى لقضية الفنية العسكرية وانشأ سالم بعدها تنظيما من اشد التنظيمات تطرفاً فى تاريخ مصر، وقام بتكفير كل من لم ينضم له، وفاق بذلك تنظيم شكرى مصطفى "التكفير والهجرة". قام الشيخ على عبده اسماعيل بتسليمنا لمحمد ابراهيم سالم وعرفنا به واعتبر الشيخ هذه الخطوة هى بداية تصعيدنا داخل الاخوان، وان كانت ظهرت بوادر فيما بعد اشارت الى ان سالم كان يعتبر، مزرعة خاصة له، وكان يقوم بتقسيمنا مجموعات، كل مجموعة مكون من خمسة افراد ودرس لنا صكراً مجرداً على الطريقة الملكية على عهد النبى صلى الله عليه وسلم، وبهرنا به وبوضوح المفاهيم القرانية والعقائدية عنده، وتأثرنا ايما تاثر.. واستمر بنا الحال هكذا لفترة ثم سألنا : وماذا بعد هذه الجلسات؟.. وماذا عن حال واقعنا المعاصر ؟... ولم يكن يجيبنا سالم عن ذلك، فنقلنا تساؤلاتنا للشيخ على عبده اسماعيل باعتباره الاب الروحى لنا، فأغضبه ذلك، فاخذنى وسافر بى الى القاهرة وعرفنى بالحاجة زينب الغزالى وقدمنى لها بشكل مفصل واخبرها عن المجموعة التى معى، فأصابها ما اصاب غيرها من الذهول ،أن وجدت تنظيماً كاملاً من الشباب متعلق بالاخوان ويحفظ فكرهم وينتظر خروجهم من السجون فانفتح قلبها لنا، وعلى الفور بدانا نتقابل معها فى منزلها على مراحل وافواج، فتجلس معنا وتتحدث معنا وتحكى لنا عما عانته ولاقته فى السجن على أيدى الطغاة، وقد حكت لنا ما نشر فيما بعد فى كتابها " ايام من حياتى" وكانت هذه الجلسات تتم لتحقيق التعارف ورؤية هذه الاسطورة وسماع تاريخها لشخص ووجدان هؤلاء الشباب، خاصة بعدما عرفنا هذه الشخصية من خلال عدد من مجلة القوات المسلحة وبه بعض صور لزينب الغزالى بملابس السجن البيضاء اثناء التعذيب، وقد تم تسريب هذا العدد من داخل السجن، وكنا نتداول هذا العدد سراً حتى قابلناهاوتحدثت الينا.. استمرت هذه الجلسات لفترة كانت تدعوه لنا فيها بقولها الذى اتذكره حتى الان "اللهم ان هذا غرسك فاحرسه" ولما سألناها نفس الاسئلة التى نبحث عن اجابه عنها لم نجدها عند زينب الغزالى.. فكانت الخطوة الثالثة واصطحبنى الشيخ على عبده اسماعيل فى رحلة قاهرية وقال لى "سوف اعرفك الان بالراس الكبيرة" ولم اكن اعلم ماذا يقصد بهذا المعنى، فسألته من يقصد ؟ فقال فضيلة المرشد. وكانت هذه الاسماء بالنسبة لنا من الاساطير، وذهبنا الى منيل الروضة حيث كان منزل المرشد العام للاخوان المسلمين واول ما لفت نظرى فى اول زيارة ان شاهدة كلمت المرشد وقد حفرت على الباب، وكنت اتخيل وقتها ان المنزل سيكون محاصراً بقوات الأمن ووجدت عكس ذلك تماماً، وطرقنا الباب ففتحت لنا صبية صغيرة احسبها كانت الخادمة وقد بدى عليها شئ من التوتر، فسألها الشيخ على الاستاذ موجود؟ فلم ترد واغلقت الباب، ثم عادت وفتحت لنا ودخلنا الى غرفة على يسار باب الشقة، ولفت نظرى فى الغرفة وجود صورة كبيرة لحسن الهضيبى سبق ورايتها فى الصحف وهى صورته مرتدياً الطربوش ونظارة سمكية ونظرات حديدية نافذة ، ولوحة مكتوب عليها "حاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا وزنوا اعمالكم قبل ان توزن عليكم" . جلسنا ننتظر الاستاذ المرشد، وبدأ التوتر والقلق الذى اصاب الشيخ على يتسرب الى فى ظل هدوء قاتل للمنزل ... ودخل علينا المرشد وعرض عليه الشيخ على كل تفاصيل التنظيم الذى انتمى اليه، ثم طلب منى ان امد يدى لابايع المرشد بيعه الاخوان الشهيرة فمددت يدى، وبايعت المرشد مردداً نص البيعه كما كان يقولها الشيخ على، ثم احتضننى المرشد وبكى، وشاهدت دموعه تنساب من تحت نظارته.. وجلسنا لدقيقتين ثم خرجنا من المنزل وعدنا للاسكندرية واشاع الشيخ على الخبر بين اخوان الاسكندرية وبعض التجمعات الاسلامية الاسلامية، وبشكل يحدد شرعية وجود تنظيمنا كاخوان مسلمين فى الاسكندرية وقد اخبرت وقتها احد قيادات الاخوان وهو الاستاذ جمعة امين – وهو احد اعضاء مكتب الارشاد الان – بتفاصيل بيعتى للاستاذ الهضيبى، وتعجبت من حالة التدهور التى اصابته وعرفت سببه فيما بعد. استمرت علاقتنا بالمرشد عن طريقى انا شخصياً وكنت اقابله مرة او مرتين كل شهر فى منزله وتمتد الجلسه لساعه او اثنين واحكى له عن اوضاعنا ومنهجنا الثقافى وافرادنا وكان لا يعترض على اكثر ما اعرض عليه بل يوافق.. واتذكر اننى سألته عن بعض ما كان يشغلنى فى هذا الوقت مثل موقف الشيخ الغزالى وسيد سابق من الاخوان، ولمست منه ان لم يكن يرتاح كثيراً لسابق، بينها لمست وداً وتعاطفاً مع الغزالى، واستمر هذا الوضع طوال عام 1972 واتذكر واقعة هامة حدثت فى تلك الفترة، تخص اثنين من شباب التنظيم وهما محمد انور – هندسة الاسكندرية – ومحمد على حجازى – علوم الاسكندريةـ اغرتهما بعض رايات المتعجلين من شباب التيار الاسلامى بالاسكندرية الذى يريد ان يخوض عمليات جريئة مثل تدمير الكباريهات وضرب بعض الفنانات والداعرات، وكنت انا ضد هذ المنهج ولخوفى من انشقهاقهما عن صف الاخوان قررت أن أرسلهما للاستاذ المرشد بخطاب منى حتى يقنعهما بالاستمرار معنا وكانت هاتان الحالتان الاستثناء الوحيد فى لقاءات المرشد، حيث كان قد طلب منى ان تبقى لقاءاتنا سريه لا يعلمها احد ولا يزوره احد غيرى من الاسكندرية.. ولا يزال محمد على حجازى على قيد الحياة ويتذكر هذا اللقاء جيداً. وقد استشعرت من المرشد لوماً شديداً على خطوة ارسال احد غيرى للقائه، خاصة وانه كان ينتوى بداية عصر جديد للاخوان بعد خروجه من السجن، وكان يريد انشاء جهاز خاص للجماعه تابع له مباشرة ويتربى على عينه وكانت جماعتى هى نواة هذا الجهاز الخاص، ولكننى لقلة خبرتى افسدت ما كان يريدة المرشد، اذا لم نستطيع كتمان الامر، ولم اكن مدركا ماذا يعنى ان احفظ السرعن زينب الغزالى او محمد ابراهيم سالم وجمعه امين .. ولم اكن أدرك أن هؤلاء خارج دائرة السر وقد أدركت ذلك لاحقاً، خاصة بعد ما تعرض هو شخصياً للوم بعض الاخوان بسببنا! وقد علمت ان الهضيبى رحمه الله كان قد اخبر المرحوم عبد المتعال الجابرى بامرنا، وطلب منى ان اتوقف عن الذهاب له فى منزله، وان التعليمات ستصل الينا من خلال الجابرى الذى كان احد قيادات الاخوان فى الاربعينات وكان من القاهرة، وكان يعمل وكيل مدرسة ثانوية للبنات بحى حلمية الزيتون، وقد انتقل الى امريكا بعد ذلك لرئاسة احد المراكز الاسلامية ومات هناك. بعد انقطاع لقاءاتى بالهضيبى، كانت لقاءاتى مستمرة مع زينب الغزالى، واذا ما حدث وجاءها ضيوف وانا عندها كانت تقدمنى لهم باسم عصام، الطالب الجامعى بالاسكندرية، وتعودت منها على ذلك، وفى احدى زياراتى لها وصلت متاخراً ووجدت عنها ضيفاً لم أشاهدة من قبل عندها، وفاجأتنى بتقديمى له باسمى الحقيقى وبكل تفاصيل علاقتى بالاخوان وبالتنظيم والذى اقوده، فشعرت بالخوف.ثم عرفتنى به قائله: هذا هو الدكتور صالح سرية بجامعة الدول العربية، وكنت أعلم عنها انه لا يملأا عينها احد من الرجال لا فكرا ولا ثقافة ولا تاريخاً بعد ابنهارها بشخصية عبد الفتاح اسماعيل الذى نفذ فيه حكم الاعدام فى محنة 1966 بعدما ساهم فى تنظيم الاخوان عام 1965، ولكنى وجدتها منبهرة ايضا بصالح سريه، وادركت هى تخوفى من ضيفها فطمأنتنى وطلبت منى ان احكى لسرية كل التفاصيل عن التنظيم الخاص بنا وما وصلنا اليه وبعدد افرادنا وبيرنامجنا. وانا اعتبر هذا اللقاء هو لقاء تسليم التشكيل التنظيمى الذى كنت اقوده لقيادة صالح سرية، والذة أجابنى عن كل تساءلاتى السابقة فى عبارات محددة وسلسة قائلاً: لا سبيل للحركة الاسلامية فى مصر الا الوصول للحكم لقيام الدولة الاسلامية وتطبيق شرع الله، وكانت هذه هى المرة الاولى التى اسمع فيها هذا الكلام بوضوح شديد. تحدث معى صالح سرية بالتفصيل عن اساليب وطرق الوصول للسلطة وحصرها فى ثلاثة طرق.. اما باسلوب برلمانى ديمقراطى، واما اسلوب شعبى، واما عن طريق الانقلاب، والاخير هو الاقرب لمصر، وحكى لى عن تجارب عديدة فى المنطقة حولنا، قبل تجربة اندونيسيا، واكد ان السيطرة على الجيش هى المعيار الحقيقى للوصول للسلطة فى مصر واستبعد سرية قيام ثورة شعبية فى مصر لطرد نظام السادات لان الامة مستضعفه، ولا تقوى على القيام بذلك.. واستشهد بما قام به القذافى فى ليبيا وكيفية وصوله للحكم وما حدث فى زائير عندما استطاع شاويش فى الجيش ان يقود انقلاب ويحكم البلاد ويخلع على نفسه رتبة لواء. حدث كل ذلك فى تلك الجلسة وفى وجود زينب الغزالى وهى تبتسم فى رضا تام لما تشهده وتسمعه من حوار بينى وبين سرية. وقد فهمت بعد ذلك ان حسن الهضيبى قد توصل الى صيغة جديدة لاستمرار تنظيمنا وبقاءه فى يده ولكن من خلال قيادة اخرى هو صالح سرية وانا اسمى ذلك مرحلة تسلية وتسلم، واعلم ان ذلك سيغضب الاخوان والتمس لهم العذر لاسباب محدودة.. منها ان قيادات الاخوان القديمة الحالية كانت وقتها داخل المعتقل، وحتى قيادات الوسط امثال عبد المنعم ابو الفتوح وامثاله كانت خارج التيار الاسلامى اصلاً فى هذا الوقت... وبالتالى فمن الطبيعى الا يعلموا شيئاً عن هذه الوقائع، حتى الذين عاصروا تلك الاحداث، فكانت تعليمات المرشد واضحة بعدم افشاء سر، نقوم به. فور انتقالنا لقيادة صالح سرية طرحت مسألتين اثنين الاولى البيعه التى بايعناها لحسن الهضيبى، والثانية علاقتنا الحالية – وقتها- بالاخوان كجماعة اسلامية، وقال لنا صالح ان البيعه السابقة للهضيبى مستمرة، وقرر ان علاقتنا بالاخوان لن تكون الا من خلاله فقط.. وبعدها لم اقابل لا حسن الهضيبى، ولا زينب الغزالى . وهنا بدات مرحلة جديدة فى حياتنا مع صالح سرية باعتباره القائد الجديد لهذه المجموعه التنظيمية الاخوانية.. ولابد هنا ان اذكر كلمة للتاريخ عن هذا الرجل صالح عبد اللخ سرية – لانه ظلم تاريخياً فى كل ما كتب عن فى تاريخ الحركة الاسلامية. صالح سرية هاجر مع اسرته من حيفا بفلسطين بعد نكسة 1948 الى العراق، ومكث فى العراق وتعلم هناك، وهو من مواليد 1935 واستقر به المقام هناك. وتربى فى حضن الاخوان المسلمين بالعراق وفى حضن الحركة الاسلامية هناك، وتوحدت علاقته بهذين الفصيليين الاسلاميين.. وتقدم فى تعليمه تقدماً ملحوظاً، حيث كان الاول فى المرحلة الاعدادية والثانوية وحصل على اجازة كلية ضباط الاحتياط بالعراق وامتنع عن تنفيذ اوامر صادرة اليه بقتال الاكراد بشمال العراق، وقال وقتها: إنهم من احفاد صلاح الدين الايوبى، ثم اصبح عضواً فى المؤتمر الوطنى الفلسطينى واقترب من احمد الشقيرى ثم ياسر عرفات وكان معروفاً بالاسم داخل الحركة الفلسطينية.. اختلف سرية مع اخوان العراق حيث كانت له وجهة نظر فى ضرورة تغيير اسلوبهم ومنهجهم بوضع آليه وهدف الوصول للسلطة ضمن مخططهم وحسابهم .. كان يجهر بذلك وقتها، وانتهت علاقته باخوان العراق بعد هروبه منها فارا من مطاردة صدام حسين واستمر فى سوريا عدة اشهد ثم انتقل للقاهرة بأسرته التى كانت مكونة من زوجته و9 أطفال. نزل صالح سرية على إخوان القاهرة وتعددت لقاءات سرية بالمرشد حسن الهضيبى، وقد أخبرنا هو شخصياً أنه عرض على المرشد أفكاره وآراءه من خلال مذكرة مكونة من 50 صفحة تتضمن فكرة بداية وعهد جديد للإخوان، ومنهج جديد للإخوان والتحول من إطار المهادنة إلى المواجهة مع الأنظمة الحاكمة كمقدمة للوصول للسلطة، وأكد لنا سرية أن المرشد الهضيبى وافق على وجه العموم على ما جاء بالمذكرة، وقد أنكر سرية كل تلك المعلومات فى التحقيقات التى أجريت معه، بل وذكر عكسها تماماً حفاظاً على الجماعة واستمرارها وحتى لا يزج بها فى القضية. ولذلك فأنا ألتمس العذر لكل الإخوان الذين أنكروا صلتنا بالإخوان فى التحقيقات وخاصة زينب الغزالى، وأتفهم ذلك جيداً، ولو كنت مكانها لفعلت مثلما فعلت ولقلت مثلما قالت. وها أنا الآن أكشف الحقائق بعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً وقد جرى العرف الدولى على كشف الوثائق الرسمية لأخطر الأحداث السياسية بعد هذه المدة حتى يعلم الجميع الحقيقة كاملة .. ونحن أولى بذلك، ومن هنا فلا حرج ولا ضرر على أحد الآن من كشف هذه المعلومات الهامة عن تلك الحقبة الزمنية، حتى تتعلم الأجيال القادمة. وعندما أقرت زينب الغزالى فى التحقيقات بحدوث اللقاءات معنا فى منزلها، كان لابد أن تبحث عن تفسير آخر لهذه اللقاءات فكان ما قالت، وأنا أتفهم هذا التصرف حفاظاً على الجماعة وتجنيباً لها لحملة صدام جديدة مع النظام فى عهد السادات. ولعلنى هنا أفجر مفاجأة وأنا أعلن أن الكلية الفنية العسكرية لم تكن هى الهدف ولا السيناريو الأصلى لما كنا نخطط له بهدف السيطرة والوصول إلى السلطة، فلقد كان السيناريو الأصلى هو التخطيط للقبض على السادات فى المطار وهو قادم من رحلته ليوغوسلافيا، وطلب صالح سرية من" حسن هلاوى" ومجموعة من القاهرة والجيزة إعداد رسومات وكروكيات تفصيلية للمطار من الداخل والخارج لتحديد خطة الهجوم وإلقاء القبض على السادات ومن معه من القيادات الحكومية، غير أن هلاوى ومجموعته لم يجهزوا ما طُلب منهم، فألغيت عملية المطار، وتم استبدالها بخطة بديلة لنفس الهدف وهو القبض على السادات وأركان حكمه، وتقديمهم لمحاكمة شعبية، وعليه فقد انتظرنا الإعلان عن موعد اجتماع للسادات مع قياداته فى أى مكان إلى أن تم ذلك وتحدد يوم 19/4/1974 فى مقر اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى على كورنيش النيل لمناقشة ورقة أكتوبر، - وهو الآن مقر الحزب الوطنى – بعد ما يقرب من شهر من فشل عملية المطار، وأعددنا أنفسنا لتنفيذ عملية القبض على السادات وأعوانه، وحتى أيام قليلة لم يكن هناك أى دور للفنية العسكرية فى الخطة، ولم نكن نتوقع ذلك، بل وحتى الآن لازالت هناك علامات استفهام كثيرة من داخلنا على هذا الموضوع، إذ كانت حياة صالح وكارم القصيرة واستشهادهما لم تكن لتسمح لنا وقتها أن نسأل أو نعاتب عن موضوع إدخال الكلية العسكرية فى الخطة. لكن ومع ما توافر لدى من معلومات فقد حدث تقارب شديد بين صالح سرية وكارم الأناضولى وأقنعه كارم بالاستعانة بالكلية الفنية العسكرية، باعتباره أقدم طالب فى الكلية ومسموح له بالدخول والخروج، وأقنع صالح سرية بإمكانية الاستعانة بما فى الكلية من إمكانيات وأسلحة ومدرعات لاستخدامها فى تطويق مقر الاجتماع وتسهيل القبض على السادات ومن معه، وبالتالى حدوث الانقلاب والاستيلاء على الحكم، وهو ما لم يحدث. تبقى نقطة هامة لابد من الإشارة إليها، وهى المتعلقة بتنفيذ الحكم علىّ من الإعدام إلى الأشغال الشاقة، خاصة وقد كتب كثيرون فى هذه النقطة واتهمونى بأننى كتبت التماساً لتخفيف هذا الحكم وهو ما ذكره الظواهرى فى كتابه الأخير "وصيتى الأخيرة" وتلك معلومة مخالفة للحقيقة مخالفة للحقيقة تماماً واتهام باطل، وأحياناً يذكر البعض أننى قدمت تنازلاً ما.. والحقيقة التى أذكرها هنا أن تخفيف الحكم علىّ أن كان لعدة أسباب .. الأول : مذكرة كتبها كل من نجيب محفوظ توفيق الحكيم وثروت أباظة، للسادات يطلبون فيها تخفيف الحكم عنى رحمه ورأفة بوالدى الشاعر محمد عبد المنعم الأنصارى رحمه الله. والثانى : أن والدى قابل السادات مرتين، إحداهما فى ميت أبو الكوم – وقد سهل لنا هذا اللقاء محافظ المنوفية وقتها شوكت الجمال وهو شقيق كاتب قصة شهير بالأسكندرية ويعرف والدى وقد حكى لى والدى قصة هذا اللقاء بعد سنوات وما دار فيه من وعد له بتخفيف الحكم. والثالث : يتعلق بتدخل الفنان المشهور عادل إمام، حيث شاء القدر أن يأتى لسجن مزرعة طرة العمومى لزيارة مخرج شهير مسجون على ذمة قضية هيروين، والتقى عادل إمام بأحد أفراد تنظيمنا المقبوض عليهم وأبلغه بأنه هو – أى عادل – الذى تدخل لدى السادات لتخفيف الحكم عن طلال، نظراً لسابق معرفته بوالدى. أضف إلى ذلك أن شقيقى الأصغر أمين قد اخبرنى بقصة أن والدى دفع مبلغ 20 ألف جنيه لاثنين من المسئولين الكبار للتدخل لتخفيف الحكم عنى". الرد من المؤلف على شهادة طلال بالمنطق والوثائق كانت هذه شهادة طلال الأنصارى، كما سجلها إلينا نصاً، ولن نشأ أن نتدخل فى أية تفاصيل، لأننا ونحن نقيم التاريخ، نكتب كل الشهادات كما وردت.. إلا أن هذه الشهادات ليست كلها على مستوى واحد من المنطقية، وليس معنى ذلك أننا نتهم أحداً بالكذب، إلا أن الإنسان قد يقع فى سوء التصور. وإذا كنا نسلم بكل ما ذكره طلال بخصوص النشأة الدينية والمؤثرات الاجتماعية، فإن ذلك التسليم صغناه فى مقدمة هذا المؤلف.. كما أننا سبق وذكرنا فى ثنايا هذا الكتاب أن اقتحام الفنية العسكرية كان هو الوسيلة للحصول على الأسلحة والمدرعات اللازمة لإحداث الانقلاب، إلا أن هذا لا ينفى أن هناك خطة مفصلة كانت خاصة لاقتحام الفنية العسكرية بكل ما فيها من مخاطر، والدليل على ذلك هو أقوال طلال الأنصارى نفسه فى التحقيقات ولم أشأ أن أتعرض لهذه التفصيلات، ولكن تفنيد شهادة طلال التى خالفت ما لدى من معلومات جعلتنى أستدل على عدم صحة أجزاء من شهادته من خلال أقواله نفسها. ففى محضر 13/5/1974 سأل المحقق طلال الأنصارى فى مقر النيابة بدار القضاء العالى .. س : كيف وضعت خطة اقتحام الفنية العسكرية من الخارج ؟ ج : يوم الاثنين لما كامل رجع من مصر بعد ما قابل كارم ومعه الخطة.. وابتدأ كامل يشرح لى الخطة كالآتى ... اختيار مجموعة الاقتحام وعددها ثلاثة مجموعات : الأولى : كانت مسئولة عن التعامل مع الحراس فى أول الشارع الموجود به البوابة الخلفية، والمجموعة الثانية : تتعامل مع الحراس فى وسط الشارع، والمجموعة الثالثة : مع الحراس على البوابة، وكانت الأوامر ألا يبدأ التعاومل إلا بعد أخذ الإشارة منى أو من كامل بعد أن نحصل على الإشارة من داخل الكلية العسكرية (هذا الاعتراف من طلال الأنصارى يؤكد وجود خطة مخصصة للفنية العسكرية، كما يؤكد علمه بكل تفاصيلها). وأما بالنسبة لقوله أن الإخوان كانوا على علم بهذا التنظيم وأنه قد بايع الإخوان، فنحن نصدق مسألة البيعة، لأن هذا ممكن الحدوث أما أن يكون الإخوان على علم بهذا التنظيم كلهم أو بعضهم فهذا هو المستحيل نفسيه، وذلك لعدة أسباب .. أولها : أن صالح سرية فى اعترفاته أوضح أنه كان الجسر الذى عبر منه طلال الأنصارى إلى لقاء الحاجة زينب الغزالى رحمها الله، وبالطبع فلا توجد مصلحة لسرية أن يكذب فى هذا الموضوع. لاسيما وأنه يذكر أحداثاً عادية لا تؤثر على أحداث القضية، بالسلب أو الإيجاب، وهذا بالطبع يأتى على عكس ما أملاه طلال الأنصارى فى شهادته المرسلة منه إلى هذه الموسوعة التى أفاد فيها أنه تعرف على صالح سرية بمنزل الحاجة زينب الغزالى وأنه - أى طلال – قد فوجئ بوجوده. ثانيها : أن الحاجة زينب الغزالى بشهادتها وشهادة صالح سرية قد نفرت من العلاقة بطلال الأنصارى ووصفته أمام صالح سرية بصفات تدل على عدم إعجابها بشخصه.. وهو أمر لم أكن أحب أن أخوض فيه لولا ضرورة الدفاع عن الحق والحقيقة التاريخية. ثالثها : أن الإخوان فى ذلك الوقت لم يكونوا فى مرحلة إعادة التنظيم وإن كانوا جميعاً فى مرحلة الاستشفاء وهذا بشهادة وزارة الداخلية نفسها فضلاً عما أبداه اللواء فؤاد علام فى أكثر من موضع تليفزيونى.. وأن بداية التفكير فى إعادة التنظيم بدأت فى عام 1973 .. وكانت مجرد أفكار متداولة. رابعها : أن حجم المعلومات عن التنظيم المتوافرة لدى طلال أو غيره من الأعضاء كانت فى غاية الندرة.. وهذا هو السبب الذى جعلنا نميل إلى وصف الخطة وعملية الاقتحام وما يتبع ذلك بالبساطة العملية واستغربنا هذا من شخصية لها فكرها ووزنها مثل صالح سرية. وهذا المعنى قد أكده طلال نفسه وهو يجيب المحقق فى اعترافاته فى صفحة 809 من القضية وذكر ما نصه : س : هل فى مقدرة صالح وهو الأجنبى أن يسيطر على قواتنا المسلحة ؟ ج : أيوة هو يقدر يسيطر بس مقالش إزاى هيقدر يسيطر على الجيش ومااعرفش إذا كان حيسيطر عليه بنفسه أو بمساعدة حد تانى، ويسأل عن دى هو – وكان كل كلامه لنا إن وجود الناس فى ايدينا هيسكت الناس كلها. (نقلت بنصها من محضر التحقيق) ويظهر من هذا كله أن طلال لم يكن على علم بكثير من التفاصيل بل لم يكن يعرف حتى كيف سيؤل الحكم إليه – والعجيب أن طلال كان فى ذلك الوقت من أمراء الجماعة وكان يعتبر نفسه كذلك، ففى صفحة 811 يسأله المحقق : س : وهل تناقشتم فى هذا الأمر ؟ ج : احنا تناقشنا فيه كأمراء للجماعة. وبالرغم من انه من أمراء الجماعة كما يعتبر نفسه إلا أنه لم يكن يعلم أية تفاصيل عن هذا التنظيم ولا عن خطة التمكين، بل إنه فى ص 812يؤكد فى سؤال جديد أنه لا يعرف ما إذا كان لهذا التنظيم فروع فى الخارج من عدمه. ومن هنا يبين أن هذه الخطوة المتعجلة جعلت مجموعة من الشباب يقومون على عمل ما دون أن تتوافر لديهم المعلومات اللازمة وأن الانبهار بشخصية صالح سرية كان هو الأساس فى الحركة مما يتناقض مع ما أشار إليه طلال فى شهادته المرسلة إلينا. وخامسها : أن جميع المتهمين بمن فيهم القيادات والأمراء قد أنكروا أى اتفاق أو تفاهم بينهم وبين الإخوان المسلمين، بل إن البعض منهم كان يسخر من منهج الإخوان المسلمين السلمى. سادسها : أن من المستحيل على من ألف كتاب" دعاة لا قضاة" وضحى فيه بكل رخيص وغال من أجل نشره وجعله ميثاقاً للجماعة وهو المستشار حسن الهضيبى، مستحيل عليه أن يوافق على خطة تبدأ باقتحام الفنية العسكرية والتعامل مع الحراس متسللاً، ثم الدخول إلى منطقه السلاح والتحرك بهذا السلاح لحصار رئيس الدولة. فإن قيل أنه كان لا يعلم بالخطة فأى تنظيم ذلك الذى يشار إليه ولا يعرف قائده خطة أفراده. سابعها : أن الثابت فى أقوال صالح سرية أن المستشار الهضيبى نفسه قد تهرب منه شخصياً ولم يعد يقابله حتى على المستوى الشخصى .. وأنه رفض المذكرة المقدمة من صالح سرية رفضاً أغضب صالح نفسه لقيام الهضيبى برفض منهجه وأسلوبه فى التفكير. ورُب قائل أن صالح سرية كان يريد إبعاد الشبهة عن الإخوان، والرد على هذا يأتى فى أقوال صالح سرية نفسه الذى انتقد فكر الإخوان المسلمين انتقاداً واضحاً فى العراق وفى مصر رغم أنه كان أحد أبناء هذه الجماعة، وأنه ذكر طواعية قصة علاقته بالهضيبى ولم تكن هذه القصة فى مذكرة معلومات القضية التى ولدت بلا معلومات أصلاً على النحول الذى استعرضناه فى الأوراق .. فلو كان سرية يريد التستر على الإخوان فما كان بحاجة أصلاً إلى أن يذكر اسم الهضيبى، لاسيما وأنه كان أو ل من حقق معه من المتهمين. والدليل الأخير .. أنه بالرجوع لشهادة من بقى على قيد الحياة من الذين ساروا على نفس النهج والفكرة الجهادية والذين طلبوا منا عدم ذكر أسمائهم ومنهم من ذكره طلال الأنصارى فى شهادته لنا، وهؤلاء جميعاً قد أجمعوا على أن الإخوان لم يكونوا طرفاً فى هذه القضية، بل إن البعض يذكر ذلك فخراً. وختاماً فإننا نترك هذه الشهادات جميعها أمام القارئ مع تعليقنا عليها، ونترك الحكم له وللتاريخ مع تأكيد منا بأننا حاولنا قدر الإمكان أن نقدم كافة المعلومات التى حصلنا عليها من واقع نصوص التحقيقات التى أجريت بمقار أمن الدولة والتى لم يسبق نشرها من قبل، وذلك فى محاولة منا لكشف صفحات مجهولة من تاريخ الحركات الإسلامية فى صراعها مع السياسة الأمنية فى مصر. وجميل أن ننشر شهادة الصديق العزيز "طلال الأنصاري" والأجمل منها أن نرد عليها فلا يغضب والأجمل من ذلك كله أن نجتهد جميعاً في الاستفادة من التاريخ وأن نجعل من الخلاف في الرأي جسراً جميلاً لنصل به إلى الحقيقة في جو من الود والمحبة وأقول مرة أخرى : "إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقى الا بالله عليه توكلت وإليه أنيب" "الآية 88-سورة هود" |
| |||||||||