ملف كامل عن مقتل عبد الحارث مدني

منزل الإمام حسن البنا

 

إستجواب وزير الداخلية

 

 

 

 

 

عدد زيارات الموقع :

عدد زيارات الصفحات :

رشحنا فى :

الخيمة العربية

موقع شبوه

المواقع الدعوية

دليل الموقع العربية

 

 

 

أضف للمفضلة

الصفحة الرئيسية

اطبع هذه الصفحة

يوميات صحابي في محنه : الجزء الثانى من كتاب

الفصل الثاني
الجماعة المسلمة

تتحمل الجماعة المسلمة أكبر الأعباء فى عملية التصحيح الاجتماعي .. او الارتقاء بنظرة الفرد إلى الأمور .. وهى التي تكمل دور القيادة فيما تتخذه من قرارات علاجية .. وهى التي تصوغ نظرة المجتمع للخطإ .. بصفة عامة ، بل إن استقبالها للخطإ محكوم بقانون التربية الإصلاحي ..كما أن استقبالها للصواب والصفات الحميدة محكوم أيضا بهذا القانون .

فهى مسئولية على كل حال تتحمل وزرها وتحصد أجرها ولا ينبغي أن تتعامل مع الفرد بنظرة ظالمة .. وليس للجماعة المسلمة أن تترك نفسها عرضه لشهوة اللوم والتأنيب للمخطئ .. كما أنه ليس لها أن تدعى السمو والعصمة فتنظر إليه نظرة تعال واحتقار .. وليس لها أيضا أن تجعل من نفسها قاضيا يحكم ثم جلادا ينفذ .. وهذا أمر غير مقبول على الإطلاق ..وفقا للمفاهيم الشرعية الصحيحة.. فنظرة الجماعة إلى الفرد الخاطئ إما أن تدمره .. وإما أن تساعده على علاج كبوته والأخذ بيده إلى الأفضل بعد النهوض به من تلك الكبوة .

وفى المقابل .. فليس للجماعة المسلمة أن تساعد المخطئ على الخطأ .. أو تتقرب إليه تحت ستار الحب والشفقة على حساب الفهم الصحيح لأسلوب المعالجة لكونه من عيون الناس ومن سادتهم .

وفى النهاية فإن الجماعة المسلمة يحب أن تتمتع بالحساسية اللازمة فى مواجهة هذا الأمر لاسيما إذا كان صاحب الخطإ قد ابتلى بالإيلام والتقريع النفسى ، وخاصة إذا كان هذا الشخص من القيادات صاحبة السبق التي تبالغ فى لوم نفسها انطلاقا من سمو إيمانها .. إن نظرة الجماعة المسلمة إلى الخطأ وتصرفها مع المخطئ لا ينبغي أن تكون ثابتة أو موحدة تحت شعار العدالة بين الأفراد .. إن هذا الثبات المزعوم لايمت للعدالة بصله .. بل هو إلى الظلم أقرب .. فالمساواة بين المختلفين ظلم ..كما أن التفرقة بين المتساوين ظلم أيضاً.

فالفارق كبير بين القانون وهو القاعدة العامة المجردة .. والجامدة فى نفس الوقت وبين الحركة الجماعية التي يجب أن تتسم بالمرونة والاختلاف .. حسب الحالة والشخص .. فحركة القانون هى حركة الحكم العام انطلاقا من فلسفة المجتمع .. أما حركة الجماعة المسلمة فهى حركة التقدير الشخصي للفرد والميـزان الملامس لحالته ..

ومن ثم احتضانه ومعالجته .. بجرعات محسوبة .. تختلف من شخص إلى شخص ولنفس الشخص من حالة إلى حالة فهى حركة الفتوى المستنبطة من الحكم العام .

وإن يوميات الصحابى الجليل كعب بن مالك تعاملت مع الجماعة من حيث الموقف بالتركيز والبيان فى أكثر من موضع.. لكنها كانت أكثر بيانا عند مواقف الخطأ الجماعي .. ولم لا .. والنفس الإنسانية لا تحتاج فى محنتها إلى أخطاء اجتماعية تضيف عليها الأعباء .. وتقتل فيها الاحتمال .. إنها تحتاج إلى جماعة صحيحة واعية..

يجيب على هذه الاستفهامات .. الصحابي الجليل صاحب اليوميات – كعب بن مالك ويلقي على الجماعة المسلمة درسه العظيم الذي وعاه من الابتلاء الذى مر به . إنه يعُلِم الجماعة المسلمة ألا تسوى بين أنواع الابتلاء فى المعالجة أو المعاملة .. كما إنها لا يجب أن تسوى بين الأفراد المبتلين .. كما أنها أخيرا لا يجب أن تتغافل عن ظروف ودوافع كل حدث حينما تضع له المعالجة اللازمة .. إنه أيضا يعلم الجماعة المسلمة درسا فى السلوك العام الاجتماعي والذي يجب أن يكون أكثر حساسية وهو يتعامل مع المذنبين من أبناء الحركة الإسلامية وحتى نعي هذه الدروس جميعا .. فأننا لا بد أن ننتقل إلى مسرح الأحداث وننقل مواقف الجماعة مع الفرد فى هذه الرواية وهى قد تصل إلى مواقف أربعة فى اليوميات كلها .. إلا إنها قد طبعت فى نفس الصحابى الجليل طباعة لا تزول أبدا .. فما كان منها على وجه الصواب سيترك بسمة على وجهه رضى الله عنه .. وما كان منها على وجة الخطإ .. سيظل يذكره حتى لو صفحت عنه نفسه .. وأهمية هذه المواقف الأربعة للجماعة المسلمة تأتى من خلال طبيعة نفسية المبتلى .. أيا كان نوع الابتلاء .. فهى نفسية لينه جدا .. ورقيقة جدا وشديدة الحساسية .. كذلك ..

وان كان من اللازم أن نلقى الضوء على المواقف الأربعة فإنه من الألزم أن نشير إلى أثر كل موقف على نفسية صاحب اليوميات .

الموقف الأول )دفاع اجتماعى صحيح وواجب فى مواجهة الغيبة والبهتان )

يقول صاحب اليوميات :

)ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس فى القوم بتـبوك : ما فعل كعب ؟ فقال رجــل من بني سلمة يا رسول الله حبسه برداه ونظره فى عطفيه.. فقال معاذ بن جبل : بئس ما قلت ، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا)

والموقف الأول ينطق بالإشارات التي لا تغيب عن الفطناء أبدا .. وخلاصة الأمر أن رجلا من بني سلمة أساء إلى غيبة الصحابي الجليل حينما سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم –

وفى المقابل فإن معاذ بن جبل قد تصدى للأمر ودافع عن صاحب اليوميات بالألفاظ التي سبق ذكرها .

ومن هنا فإن الجماعة إن صمتت عن فعل خاطئ كالقذف أو السب أو الغيبة أو البهتان .. فإن خطأها يكون أفدح من القاذف أو الساب ..

إن المجني عليه سيظل يذكر أبدا للجماعة المسلمة أنها صمتت بينما نهش الآخرون فى لحمه .. مما قد يؤثر ذلك على النسيج الواحد للمجتمع .

ومن هنا فان ما قام به معاذ بن جبل رضى الله عنه إنما هو إنقاذ للجماعة المسلمة من أن تقع فى جريمة المشاركة بالسكوت .. والصمت المخزى ..

إن الاستماع إلى الطعن أو التجريح مع الإنصات إلى ذلك إنما هو شهوة عند ضعاف النفوس .. والمنصتون الصامتون ربما هم لا يقومون بذلك الفعل البغيض بأنفسهم .. إنما هم يتلذذون بالحط من شأن الآخرين .. لاسيما وإذا كان الآخرون يتميزون بالصفات الجالبة للنظر والمثيرة للإعجاب ..

ترى ما الذي دفع هذا الرجل من بني سلمة إلى أن يحكم حكمه على الصحابي الجليل فى لحظة .. دون تحقيق أو بحث أو تحرى .. ودون أن يطلب منه ذلك ..

وحتى إن حسنت نيته .. فقد ساء لفظه..

ثم إن التعبير الذى استخدمه الرجل الذى أتى من بنى سلمة كان شديد التهكم .. وهو ما يؤكد أنها ليست إجابة عن سؤال المصطفى صلى الله عليه وسلم وإنما هى إفراغ لما فى نفسه من حالة ) حبسه برداه ونظره فى عطفيه )

من أجل ذلك فان علينا أن نتصور .. إمكانية وجود مثل هذه النماذج .. التي قد يضيق صدرها بتفرد الآخرين فتنهال عليهم بعبارات قاتلة .. وهذه العبارات لن تذكر إلا فى غيبة الضحية .. بالقطع .

) وهذه النماذج قد توجد فى مجتمع الصحابة والتابعين كما توجد فى أي من المجتمعات ) ولكننا لا يمكن أن نتصور أن تقف الجماعة المسلمة أمام هذا الفعل موقف الصامت .. وإلا لكان صمتها أشد أثرا وأكثر خطرا من الفعل المؤثّم ..لاسيما وأن ظهور هذه الصفات المرفوضة فى مجتمع الصحابة إنما هو ظهور بيان وعلم .

إن هذا النوع من الإساءة لن يزيد فى حجمه عن خطإ فرد .. تجاه فرد ولكن بسكوت الجـماعة المسلمـة .. يكون قد تحول إلى جريــمة مجتمع فى حق فرد .. ولابد أن تعرف الأمة المسلمة ولو بعد مئات السنين كيفية حماية أحد أبنائها ..

من أجل ذلك وقف المسلم الصحيح معاذ بن جبل .. وكان منه الرد الصحيح من حيث الشدة والوضوح أمام تهكم الرجل وفى الوقت الصحيح أيضا وهو ذات وقت المقال المرفوض إذ يقول :

) بئس ما قلت .. والله يا رسول الله ! ما علمنا عليه إلا خيرا )

هكذا إذا يكون الواجب الجماعي .. مثلما فعل معاذ بن جبل رضى الله عنه تماما فهو - أولا – وصف قول القائل بأنه قول سئ بل هو الأسوأ ثم استخدم القسم وهو يصف حال الصحابى الغائب ، وفى النهاية أعطاه حقه من الوصف اللائق .. هذا هو القول الصحيح.

ولكنه لم يقف عند حد القول الصحيح بل اختار أيضا الوقت الصحيح – فلا فائدة من ادخار هذا القول الرائع لوقت غير الوقت الذى قيل فيه القول الفاسد – فالقول الصحيح فى مواجهة القول الخطإ يكون فى نفس الميدان وأمام ذات الشهود بأعيانهم..

وحينما يكون القول الصحيح فى الوقت الصحيح فإنه يكون علامة على أن قائله هو المسلم الصحيـح ..حال كونـه الشخص المتـوازن فى نفـسه والشـديد الحماس للحق دون مجاملة أو اعتبارات ذاتية.. وهو الشاهد لله القائم بالقسط فى الغضب والرضى .

فلو تصورنا المجتمع المسلم دون كلمة ألقاها الصحابى الجليل معاذ بن جبل ولو تصورنا الرواية وهى تنقل إلينا دون هذا الحائط الاجتماعى المدافع عن حق الآخرين فى غيبتهم .. لوجـدنا من النـاحية الأولـى مجـتمعا غير حريص على سلامة أفراده فضلا عن تضافره أو تضامنه مع القول الفاسد .. مما يترتب عليه فى أقرب مستقبل لهذا المجتمع أن يشيع فيه أمر الحط من شأن الآخرين بغيبتهم وسوء ذكرهم .. ومن ناحية أخرى فلو انتقلت إلينا الرواية دون عبارة المسلم الصحيح معاذ بن جبل رضى الله عنه .. لانفلت زمام الحزن من نفوسنا.. ولازداد التساؤل عن مدى شرعية السكوت أمام انتهاك الآخرين بالغيبة والتطاول على حرمتهم .. بل ولعل بعض البسطاء ينظرون إلى الصمت فى هذه الحالة على انه حكمة ، وربما يصل بهم التخيل إلى تصوره كفضيلة من الفضائل!!

وهكـذا يكون مـعاذ بن جبل رضى الله عنه قد أنقذ مستقبل الفهم الإسلامي الصحيح..

نعم / لقد أنقذ المسلمُ الصحيح بقوله الصحيح وفى الوقت الصحيح مستقبل الفهم الإسلامي الصحيح.. ولو لم يفعل .. لفعل غيره من المسلمين .. كما أنقذ واقع المسلمين وقتئذ كذلك من أن يجتهد أحدنا فى استحلال عرض أخيه .. فهو بذلك لم ينقذ واقع المسلمين فحسب وإنما أنقذ مستقبل الفهم الإسلامي الصحيح من الزوال أو التحريف *

* إن الغيبة السيئة تبدأ بسكوت فرد عنها ..ثم تنتهي باستحلال المجتمع لها .. ولنضرب مثلا بجريمة السب التي شاعت فى المجتمع المصري حتى أصبحت النيابة العامة لا تقدم دعاوى السب إلى القضاء إلا أن تكون لها ما يميزها من اعتبارات شخصية . ذلك أن العقاب الاجتماعي الذى يبدأ بازدراء الفعل المؤثم هو الوقاية الحقيقة من خطر شيوعه .. وما القانون إلا مظلة التعبير عن الرفض الاجتماعي .. وعلى العكس من ذلك فإن الخمر وشاربها وبائعها هم حال ازدراء الناس ولفظهم لها حتى يومنا هذا .. رغم إباحة القانون لها .. وتنظيم تداولها .. فما زال الرفض الاجتماعي هو الأساس .. وهو الحائط الأساسي ضد شيوع الخطإ فيا لجريمة الجماعة التي تنظر إلى جسد ميت يؤكل وهى صامته.. فتبيح بصمتها أكل الميتة ولو كان من البشر ..

من أجل ذلك كان صمت الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بعد تعليق معاذ بن جبل رضى الله عنه وقيامه بالذود عن عرض صاحبه .. بمثابة الإقرار لمعاذ .. نعم .. إنه الإقرار بما قام به معاذ .. والرفض لما قال به رجل من بني سلمة .

وأن يقوم معاذ بالصد الاجتماعي ورد غيبة كعب إنما هو استظهار لمدى صلاحية هذا المجتمع .. ومدى قدرته على تنفيذ أوامر الله وأوامر رسوله .

لم يكن من المتخيل أن يظل المتدربون فى مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم فى حالة صمت ، بل كان عليهم القيام بالبيان العملي .. لإنزال دروس الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى الواقع التطبيقي .. وهذا ما فعله معاذ بن جبل رضي الله عنه .. وما يجب أن يفعله كل مسلم فى كل عصر .. وكان ذلك فى حضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم .. إن ما حدث من رجل من بنى سلمة كان له أبلغ الأثر فى نفس صاحب اليوميات ولولا وقفة الحق التي وقفها معاذ بن جبل .. رضى الله عنه ما اندمل الجرح الغائر فى نفس كعب بن مالك .. ذلك الجرح الذى فرض عليه ألا يسمى اسم من انتهك غيبته واكتفى بأن سماه ( رجل من بنى سلمة ) فمن الصعب أن نتصور فقدان الاسم من ذاكرة صاحب اليوميات ولكنه الأسى الذى يذهب به إلى أن يطرحه فى ثنايا روايته بشكل يوحي بعدم الاكتراث ، أو الرغبة فى استبعاده من الذاكرة .. إلا أنه فى المقابل أصرعلى أن يذكر اسم من ذاد عنه وعن عرضه وهو معاذ بن جبل - رضى الله عنه - والذي كان يذود فى حقيقة الأمر عن مصداقية مجتمع إسلامي بأكمله ..

إن موقف الصحابى الجليل معاذ بن جبل رضى الله عنه هو موقف يذود فيه الفرد عن مصداقية الجماعة .. وهذه هى حقيقة الموقف وجوهره .. إنه لم يكن يدافع عن كعب بن مالك رضى الله عنه بصورة شخصية أو لارتباط نفسي ..وإنما كان يدافع عن واقع تطبيقي صحيح لحكم شرعي يحول بين لسان المرء وبين حرمة الآخرين .. وفى حضور الرسول وهو يترك المجال لتدريب الأمة على الممارسة الصحيحة بحضرته .. والعجيب أن روعة وجوهر هذا الموقف قد رصدها صاحب اليوميات رغم ما يعانيه من ابتلاء ..

بل إنه ذاد عن المجتمع بأسره .. وصحح لمجموعة من الناس افهامهم .. وحمى الواقع التطبيقي الصحيح للفهم الإسلامى..

الموقف الثاني .. ( كعب يدافع عن وحدة الجماعة أن تنتهك بالغيبة والبهتان )

ونضرب مثالين لما قام به صاحب اليوميات فى هذا الصدد .. كان الأول منهما فى مـواجهة بنى سـلمه أو فى مـواجهة البعض منهم .. ذلك البعض الذى صاحبه بعد أن ترك مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم .. والذي أقر فيه كعب رضى الله عنه بالخطإ أمام المصطفى صلى الله عليه وسلم ، والأصل أن تكون تلك الصحبة هى العون على شدة الموقف .. وعلى الابتلاء بعبارات الصبر والتذكرة برحمة الله وعفوه .. ولم يكن من المتخيل أن تكون تلك الصحبة من أجل إثارة حفيظته رضى الله عنه وإثارة تمرده على الجماعة المسلمة .. ومخاطبة الضعف النفسي .. إلا أنه مع ذلك رضى الله عنه قد قام بالحفاظ على هذه الوحدة من أن تنتهك ، ولنتأمل ألفاظ الرواية ودقتها اعتبارا من اللحظة التي ترك فيها كعب بن مالك رضى الله عنه مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم

) فقال صلى الله عليه وسلم : أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضى الله فيك .. فقمت ، وسار رجال من بني سلمه فاتبعوني فقالوا لي:والله!ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ؟

ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون ، وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله علية وسلم لك .

فوالله مازالوا يؤنبونني حتى هممت أن أرجع فأكذب نفسي ثم قلت لهم : هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا نعم ، رجلان ... قالا مثل ما قلت ، وقيل لهم مثل ما قيل لك .. فقلت : من هما ؟ قالوا مرارة بن الربيع العمري ، وهلال بن أمية الواقفي ، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة ، فمضيت حين ذكروهما )

وإذا ما تناولنا ما قامت به مجموعة من الجماعة المسلمة فإننا يجب أن نضعه فى الإطار الصحيح وبالتعبيرات العصرية .. فهو تحريض على اتخاذ موقف غير الذى ذهب إليه كعب .. ثم إن ما قاموا به أيضا هو تهوين من أمر الذنب ، مما يوحي ولو من بعيد بوصف أمر القائد صلى الله عليه وسلم وقراره فى مواجهة كعب رضى الله عنه بأنه قرار شديد .. أو على أقل بأنه أشد مما يقابل به مثل هذا الخطأ .. على حسب ما رموا إليه .. وما زال هذا الأمر يتكرر فى حياتنا .. حتى يومنا هذا .. ومازالت هذه المجموعة فى كل مجتمع تردد .. ( والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ؟ )

.. إلا أنها دعت الصحابى الجليل إلى طريق غير الطريق الذى ارتضاه الله لعباده .. طريق الصدق .. فانظر إليهم وهم يكررون ويلحون على مسامعه ..

)ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون ، وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك )

إنها دعوة صريحة للخطإ الثاني .. فإذا كان الخطأ الأول هو التخلف عن الغزوة فإن الخطأ الثاني هو الأفدح .. وهو عدم الاعتراف بالخطإ .. والفرق واضح .. فالتخلف عن الغزوة يعبر عن لحظة ضعف .. تجبرها لحظات القوة التالية والتي هى الأصل فى حياة الإنسان ..

ولكن كـتمان الحق يـعبر عن حالة ضـعف مستمرة.. طالما بقى الإنكار .. وهو ما يدعوا إليه البعض من بنى سلمة..

من أجل ذلك فإن البعض وربما بحسن نية – قد يدعون أصحابهم إلى الخطإ .. الأكبر .. تحت مظنة أنهم يواسونهم فى محنتهم .. ولا يعلمون أن المرء لحظة الابتلاء يكون ضعيفا .. وقابلا لما يلقى إليه من نصائح .. حتى لو كانت تؤدى به إلى الأسوأ ..

إن كتمان الحقيقة أو عدم الاعتراف بالذنب لجريمة لا تعادلها جريمة .. لامن ناحية الاستمراريه التي أشرنا اليها .. ولا من ناحية الدرجة القانونية أو الخطورة الاجتماعية فحسب ، ولكن فداحتها تأتي من زاوية أخرى .. فإن النفس التي تكذب ولا تقر بالخطإ أمام مجتمعها وقائدها .. ثم تحمل هذا الكذب فى صدرها دون ألم أو عناء .. وتكتم الحقيقة لسنين عمرها .. لهى نفس جامدة قاسية متحجرة .. خالية من عناصر البقاء ضمن الصفوة المسلمة ..

إن عدم الاعتراف بالذنب يعبر عن نفس متكبرة .. عنيدة .. قاسية القلب ذلك أن الفطرة السليمة هى التي تؤدى إلى الاعتراف بالخطأ..

ولابد وأن تقبل الجماعة بين أبنائها نفوسا تعرف الخطأ وتعرف معه الاعتراف به ، ولكنها لا تقبل أبدا من يعرف الخطأ ويعرف معه التكبر والصلف .

وإذا كانت فداحة ما يدعون إليه تأتي مستحيلة مع نفس كنفس كعب بن مالك رضى الله عنه ، إلا أن مجرد الدعوة إليه هو خطأ ترتكبه مجموعة من المسلمين فى حق واحد منهم .. لاسيما إذا كان يمر بالابتلاء والمحنه ، وهى لحظات الأصل فيها الضعف ...

فعلى الناس أن يتخيروا لألفاظهم مواقعها .. ولكل ابتلاء ما يناسبه من كلمات وأفعال ، وما يقال للمريض قد لا يقال للصحيح .. وما يقال للغريب قد لا يقال للمقيم بين أهله وهكذا ..

ومن هنا.. فإن النفس التي أخطأت .. وأقرت بما فعلته .. لا تستريح من تأنيب الضمير ، إنما يكون محور الابتلاء فى ذاتها هو الشعور باللوم .. وتكون دعوة المجتمع لها إلى الكذب أو الإنكار إنما هى بمثابة المزيد من الابتلاء لها .. والتعذيب والتنكيل بها .. فإذا كان هذا عذاب نفسه اللوامة بعد خطأ واحد .. فكيف يكون العذاب بعد إنكار الحق والكتمان بصورة مستمرة ..

الخلاصة إذاً أن دعوة مجموعة من المسلمين لكعب بن مالك رضى الله عنه .. إنما كانت دعوة للعذاب .. أو لمزيد من العذاب .. ولم تكن للتخفيف عنه أبدا .. ولو كانت بحسن نية .. ولكن كما قال أحد الصالحين المجاهدين رحمه الله (*).. إن هذا الجيل هو الجيل القرآني الفريد .

وكما وقف معاذ بن جبل رضى الله عنه مدافعا عن التطبيق الصحيح لأحكام الإسلام .. وقف كعب بن مالك الموقف الصحيح أمام تلك الدعوه.. التي تؤدى إلى المزيد من العذاب .. فالموقف فى غاية القسوة .. والنفس المسلمة صاحبة الابتلاء العظيم تعانى من اللوم الذاتي ..

وفى ظل كل هذا يجد الصحابى الجليل من يدفعه إلى الكذب حتى يصل به إلى حالة عبر عنها رضى الله عنه بقوله

)فوالله مازالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي )

وهذا الموقف الخاطئ من جمع من المسلمين لم يزد الصحابى الجليل .. إلا ألما وترددا .. ولكن بالرغم مما سبق لجأ صاحب اليوميات إلى الصمود .. ثم التترس بالإيمان والصبر..والتمسك بالحق..والتترس بالنماذج المعبرة عن الواقع الإسلامي الصحيح .. إذ يقول :

)ثم قلت لهم : هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا نعم رجلان . قالا مثل ما قلت وقيل لهم : مثل ما قيل لك فقلت من هما ؟ قالوا مرارة بن الربيع العمرى وهلال بن أمية الواقفي . فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة .. فمضيت حين ذكروهما )

ويأتي عمق السؤال وروعته فى كونه نوعاً من أنواع الاستدلال على صحة الفعل..

(*) عنون الأستاذ / سيد قطب رحمه الله لأحد أبواب كتابه القيم " معالم على الطريق " بعنوان " جيل قرآنى فريد "

صحيح أن هذا النوع من الاستدلال لا يأتي به إلا متردد أو قلق .. إلا أنه على أي حال هو النوع المناسب لمثل هذه الحالات

فالاضطراب النفسى قد يشوش على الثوابت الصحيحة عند الإنسان لاسيما إذا ما استدام الطرق على الجانب الخاطئ فى النفس الإنسانية .. من أجل ذلك يلجأ الشيطان إلى أسلوب الوسوسة والتكرار والإلحاح والخطوات المتدرجة .. ومن أجل ذلك أيضا ينصح الإسلام بالاستعانه والاستعاذه بالله من وسوسة الشيطان .. مع اختيار الصحبة التي تتوازن كلماتها حتى مع خواطر السوء فى النفس الإنسانيه..

ومن هنا كانت الاستعانة بهذا النوع من أنواع الاستدلال وهو الاستدلال بالصالحين فى أعمالهم .. هى الأسلوب الصحيح للحكم على ما انتهي إليه المرء من موقف .. حتى ولو كان موقفه بالغ الوضوح وكما قلنا فإن هذا النوع يلجأ إليه المرء فى حالات معينه.. وهو ما نسميه بالتترس بالواقع الإسلامي الصحيح ..

وهذا ما فعله الصحابى كعب بن مالك .. بمواجهة همزات الشيطان فى نفسه والتي عاون الشيطانَ فيها رجالُُُُُُُُُُُُ من بنى سلمة غابت عنهم بعض جوانب من حكمة الموقف وأحكام الشريعة .. فنصحوا بغير ما يجب أن ينصحوا به

) هل لقي هذا معي أحد ؟)

فإذا أشاروا فى أجابتهم إلى رجال صالحين .. كان هذا هو الحكم على صحة ما ذهب إليه كعب .. وهو أيضا الحائط الذى لجأ اليه الصحابى الورع أمام نصيحة السوء وهو حائط القدوة والأسوة ..

والقدوة هى قارب النجاة إذا ما اختلط الرأي بين الناس وتلاطمت الأمواج .. وأكثر ما يقع فيه الناس من خطأ على مر العصور هو إثارة اللغط حول الرموز والقدوة الحسنه.. لأن الناس إذا عاشوا وقد فقدوا الثقة فى رموزهم وقدوتهم .. فقدوا كل شىء ولم يثقوا فى شىء بعدها.

وكانـت القدوة هى الميـزان الذى وزن به كـعب بن مالـك الأمـور .. ذلـك أن مرارة بن الربيع العمرى قد أخطأ وأقر بالخطإ أمام الرسول صلى الله عليه وسلم .. وهو رجل مشهود له بالصلاح والقدوة بين الناس .. فلابد وأن الاعتراف بالخطإ هو الفعل الصحيح فى هذه المواقف .. بل وفى كل المواقف .. لاسيما وإذا كان الاعتراف من نفس هى واحده من رموز وقادة هذا الجيل القرآني الفريد ..

وإذا أضفنا إلى مرارة بن الربيع هلالا بن أمية الواقفي .. وهو من هو وقد أخطأ وأقر بالخطأ أمام المصطفى صلى الله عليه وسلم .. يكون الأمر قد حسم .. لصالح المنهج الصحيح .. ومن هنا قال الصحابى الرقيق صاحب اليوميات ..

)فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما )

وهكذا يتغلب الرجل القرآني على نصيحة غير موفقة تأتى إليه فى وقت يعانى فيه من كل ألم وضيق و اضطراب .. وتتكرر عليه حتى إذا ما شعر بالضعف استعان بالله ثم بالأسوة الصالحة كرداء اجتماعي يقيه من الخطأ ..

الموقف الثالث
الحب بين جماعة المسلمين

وأروع ما فى هذا الموقف .. أنه يكشف عن طبيعة القلوب فى هذه المرحلة وكيف حولها الإسلام إلي كتله واحدة .. وبناء واحد وجسد واحد .. إذا اشتكى منه عضو .. تألمت بقية الأعضاء ..ولم تنم العين رغم أن الألم فى اليد أو فى القدم ..

نعم إن هذه الصورة التي رسمها الرسول صلى الله عليه وسلم فى حديثه للمسلمين .. كالجسد الواحد .. تتحقق فى رواية كعب بن مالك فى يومياته وكأنها نوع من أنواع التأريخ لهذه المرحلة.

وهذا الموقف الذى تعبر عنه الكلمات الصادقة يأتي فى نهاية القصة وكما رسمتها كلمات الصحابى الرقيق عن معنى الابتلاء

) فبينما أنا جالس على الحال الذى ذكر الله عز وجل قد ضاقت على نفسي وضاقت على الأرض بما رحبت )

وفى وسط هذا الظلام يسمع صوتا يقول بأعلى ما يمكنه .. وبأقوى نبرة ومن أعلى مكان .. صارخا من الفرحة .. ولم يسمع كعب منه إلا كلمتين

) يا كعب .. أبشر )

وكأن الرياح قد شاركت هى أيضا فى تبليغ البشرى فلم يندثر الصوت مع الظلام أويتبعثر مع ما تبعثر فبقى هذان اللفظان ( ياكعب ابشر) .

هكذا يجب أن نتصور فرحة المسلمين بعضهم لبعض .. وهكذا ينبغي أن نتعلم ماذا يريد منا صاحب الابتلاء - أي ابتلاء - إلا البشرى .. لنسعى إلى تحقيقها له فإن لم نستطع فلا نضيق عليه أبواب الأمل .. بالجهل وبالتقاعس ..

لقد سمع كعب الصوت ولم ير صاحبه .. لسبب وحيد .. أن صاحب البشرى .. أراد أن ينقل إليه البشارة ويحصل على أجر السبق الذى كتبه الله للمبشرين ، إنها السعادة فى صورتها الكاملة يشعر بها الأصحاب لصاحبهم .. تدفع أحدهم لأن يصرخ من السعادة ليصل صوته إلى صاحب الابتلاء ..

إن الجماعة المسلمة .. ما كانت لتفرح أبدا وواحد من أبنائها يمر بمحنة..بل وما كان ليمر عليها اليوم بأقل مما يمر على المبتلى من العناء والألم .. فهذا الذى صرخ كان يعلم كيف سيتدافع الناس لنقل البشرى فأراد أن يكون له السبق .. وهو ما حدث فعلا .. فانظر إلى ما ورد فى اليوميات فى هذا الصدد :

) فذهب الناس يبشروننا .. وذهب قبل صاحبي مبشرون .. وركض رجل إلىّ وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس .. فلما جاءني الذى سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياها ببشراه )

والآن آن لنا أن نتخيل حركة الناس وفقا للصورة السالفة بين مجموعات من المتحابين تجرى هنا وهناك وبين عشرات تتدافع إلى الصحابى كعب بن مالك وعشرات أخرى إلى صاحبيه فى ذات الوقت ورجل يجرى ليبشره .. وأخر يحاول أن يسابق الآخرين إلى البشرى والكل يفكر فى أسلوب لاختصار الطريق ثم يقف أحد المسلمين فوق جبل ليسارع بنقل البشرى .. بصراخ عال كي يحمله الهواء إلى كعب .. والناس فى سعادة بالغة .. يتدافعون الخطوات ليصل منهم من يصل .. حاملا البشرى .. وهذه هى صورة المعاناة المشتركة للأمة الإسلامية .. وهى صورة الفرحة المشتركة أيضا .. أو لنقل إنها الفرحة الواحدة .. والقلب الواحد ..

ثم يخرج الصحابى من بيته بعد أن تلقى البشرى .. فيجد ما وصفه فى يومياته

) وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجا .. فوجا .. ليهنئوني بالتوبة يقولون ليهنك توبة الله عليك )

ولا يجد المرء وصفا أروع مما يصف به صاحب اليوميات تلك اللحظة .. فالناس عادة يقدمون التهاني واحدا واحدا أو فردا فردا ، ولكن الأمر يختلف إذا صار المهنئون شعبا بأكمله وان الأمة كلها أحست بالفرحة فى وقت واحد وفى حس واحد..

فلم تجد بدا من أن تكون التهنئة على هيئة أفواج يتبعها أفواج من أجل ذلك فقد تلقف الناس كعبا فوجا .. فوجا .. وهذا شأن الجموع إذا ما تزاحمت .. وتدافعت .. ويالها من صورة رائعة ..

ان هذا السلوك الجماعي هو الصحيح فى مثل هذه المواقف .. ولا أقصد بذلك مجرد التهنئة .. فهذا أمر يتم حتى فى المجتمعات التي خفت فيها صوت الحب الإسلامي .. ولكن المقصود بالأمر الصحيح هو ما قامت به الجماعة من تسابق بالبشرى ثم من تدافع للتهنئة – يشير إلى خلاص كل واحـد منـهم من هذه المحـنة التي عاشوها جميعا ..

إن علينا أن نشعر صاحب الابتلاء .. أنه لم يكن وحده .. وأن خلاصه هو خلاصنا جميعا .. وأن الحياة ما كانت تدور دورتها العادية فى غيابه .. وأن شوقنا لنهاية المحنه لم يكن أقل من شوقه فى محنته ..

وحتى نفعل ذلك فى مجتمعاتنا .. سنظل بعيدين عن درجة الامتياز والتفرد التي تمتع بها هذا الجيل القرآني الفريد .. والذي تحقق فيه قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أن : أحب لأخيك ما تحبه لنفسك .. لقد أرادوا ان يخبروا كعبا بن مالك .. أنهم يعانون تماما مثله .. وأن عودته إليهم ردت إلى الواقع طبيعته .. وبهجته ..

وهذه هى مكانته بينهم..وقد كانت شاغرة .. فعاد اليها فارسها .. كعب بن مالك ..

ويالروعة هذا البعد الجميل فى عالم الابتلاء ..

ان الصورة التي نقلها صاحب اليوميات هى الميزان الحراري ( الترمومتر ) الذى يجب أن نقيس به حرارة المجتمع .. فكلما تحقق جزء منها كلما اقترب من الحرارة الطبيعية الصحيحة..وكلما ابتعد عنها كلما اقترب من البرودة حتى إذا ما تمكنت منه.. قتلته .. ولقد أجمع أصحاب الفكر من فلاسفة الغرب .. على أن نهاية مجتمعاتهم لن تكون أبدا تحت وطأة برودة الجو والمناخ .. إلا أنها حتما ستكون تحت وطأة برودة النفس والوجدان ..

وعلى أصحاب مناهج التربية فى المجتمعات والتجمعات أن يقيسوا مدى نجاحهم بمقياس وحيد .. يكشف عن حرارة الاتحاد النفسى وعن حرارة المشاعر بين المسلمين .. ولا ينبغي الاعتماد على غير هذا المقياس .

الموقف الرابع
حكمة عالية .. ومواقف تعليمية

وبعد هذه الفرحة الغامرة للمجتمع المسلم الذى عانى بمعاناة أحد أبنائه – وبعد هذه الصورة الجميلة فى التراحم والاندماج الوجداني ..

ذهب صاحب اليوميات إلى حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم تحمله الجماعة المسلمة على أكتافها ..وتحيط به سعادة غامرة لا وصف لها .. حتى دخل على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم .. وهنا يكون الموقف الرابع .. والذي يدل على حكمة عالية لصحابي جليل وهو طلحة بن عبيد الله رضى الله عنه فقام إلى كعب يهرول إليه .. بينما انتظر بقية الأصحاب قدوم كعب إليهم .. وربما لم يشأ الصحابة أن يحدثوا هرجا أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لعلهم قد رأوا أن الأوفق هو انتظار كعب ليمر عليهم واحدا واحدا .. وكلها مبررات مقبولة .. وقريبة إلى الواقع ..

إلا أن الأمة فى كل عصر .. لابد لها من نفر يعلمها .. بحكمة عالية وبصيرة تقفز فوق الواقع .. وفوق المقبول والمعقول ليصلوا إلى الحكمة .

فإذا كان ما فعله معاذ بن جبل رضى الله عنه وهو يذود عن عرض كعب هو حكم الشريعة فإن ما فعله طلحة هو حكمة الشريعة .. وتلك التي يؤتيها الله لمن يشاء

( يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب ) سورة البقرة 269

ولكي نتدارس تلك الحكمة فان علينا أن نسترجعها من مصدرها إذ يقول صاحب اليوميات رضى الله عنه :

) قال كعب : حتى دخلت المسجد فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس : فقام إلى طلحة بن عبيد الله رضى الله عنه يهرول حتى صافحني وهنأني ، والله ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة )

وإذا علمنا أن معنى الهرولة هو الإسراع فى المشي بصورة قد تقترب من العدو ، إلا أنها تقل عنه ولكنها تزيد عن السير العادي بمقدار كبير .. وتحمل معنى الانفعال العاطفي فى حركة السير يجسدها الحديث القدسي الشريف

( وإن أتاني يمشى أتيته هرولة )

فإننا نكون بذلك العلم قد رسمنا الصورة الصحيحة للفعل الحكيم الذى أتى به طلحة بن عبيد الله .. ذلك الفعل الذى لا يزيد عن بعض خطوات مسرعات .. بينما انتظر الباقون فى اماكنهم .. قدوم كعب بن مالك رضى الله عنه ..

أما عن قيمة تلك الهرولة فإنها تظهر إذا علمنا بعض المقدمات والذى يأتى على رأسها دراسة طبيعة المحنة التي يمر بها الصحابى الجليل كعب بن مالك فهى أولا محنة الخطإ ثم محنة اعتزال المسلمين له ثم محنة إبعاد زوجته عنه وعن بيته .. وكل محنة من هذه المحن تخاطب عزته وكيانه بين المسلمين بصفة عامه وبين قومه بصفة خاصة .. فتهد منها وتحد منها وتقلل من اعتبارها .. وقد كان هو من كان بين قومه وأهله وبين المسلمين جميعا فأتى عليه يوم وقف منه الناس موقفا .. عبر عنه بهذه الألفاظ القاسية على النفس

) ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت فى نفسى الأرض فما هى التي أعرف )

ومن هنا فإن اجتناب الناس لهم والامتناع عن محادثتهم جعل كعب بن مالك رضى الله عنه يظن أن الأرض ليست هى الأرض التي عاش فيها .. وتربى على ظهرها فإن أرضه التي كان يعرفها كانت تسوّده وترفعه وتجعل منه علما يشار إليه بالبنان وتتسارع إليه الركبان .. كل يتهافت إلى محادثته وكل يتودد إلى صحبته .. فلم تعد هى الأرض فعلا وليس الناس هم الناس ولم تعد الهيبة كما كانت .

ومن كل ما سبق تحدد أمر المحنه فى زوال الهيبة والاعتبار .. والعزة والمكانة .. وكان خير تعويض للنفس التي حرمت طوال محنتها من الهيبة والاعتبار هو توافد الناس أفواجا للتهنئة والبشرى .. فهذا ما كان يحتاج إليه صاحب اليوميات وقتئذ وهو العودة إلى ما كان عليه أو الشعور بذلك .. ومن تمام المعالجة أن يذهب إلى القائد فيلقاه القائد مبتسما على النحو الذى سنتناوله فيما بعد ..فى هذه النقطة

ومن تمام المعالجه أن يسعد به المهاجرون قبل الأنصار .. وأن يسارعوا إليه .. وكل هذه المعالجات الاجتماعية قد تمت على أجمل وجه .. ألا إنها لم تكن على أكمل وجه فلم يقف المهاجرون الجالسون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هرول طلحة .. إن خطأ قد حدث فى نوع من أنواع التصرف الجماعي .. يقابله حكمة عالية المستوى من الصحابى الجليل طلحة بن عبيد الله .. فأكمل بحكمته اللمسة الأخيرة فى هذه اللوحة الرائعة..

ولان النفس الإنسانية وقت المحنه تكون فى رقة الصلصال اللين .. فإن أي علامة سرعان ما تترك أثرها .. صحيح أن النفس قد تصفح عن أخطاء الآخرين ..وتسمو بحبها فوق أي تقصير من الغير .. ولكنها تظل تتذكر الوقائع ولو من باب الذكريات المؤلمة ..

لم يقف المهاجرون إذن .. ممن كانوا بمجلس رسول الله عليه وسلم .. ولكن وقف طلحة .. وقف لأنه يملك الحكمة .. فهو قد فطن إلى الأولويات وفقهها .. وما يحتاجه الآخرون .. فيعطيه لهم .

فالمبتلى بالمرض يحتاج إلى من يشعره عند الشفاء بأنه قد عاد أصح مما سبق وأن يمتدح حالته وعافيته حتى وإن بدا عكس ذلك .

وهنا يأتى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن يعود مريضا ( نفسوا له فى الأجل ) أي أمدوه بالأمل فى طول الأجل .

وأيضا من الحكمة كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نردد أمام المريض ما يرفع عنه الأوهام وأن نصفه بأحسن الأوصاف بكل ما تحمله كلمة ( لابأس ) التي كان يرددها صلى الله عليه وسلم إذا ما عاد مريضا .. لابأس .. طهور ..

وعلى هذا النحو تسير الحكمة مع سائر العباد حين يرفع المولى عنهم امتحانه برحمته بين امتداح لحاله والتعبير بالكلمات المناسبة ..

فعودة الغريب إلى داره يجب أن ينتقى لها الألفاظ والأفعال التي تعيد إليه ثقته فى نفسه وأنه المأمول بين الناس وأنهم إذ افتقدوا وجوده لم يعوضهم عنه إلا العودة ..

ولم يكن كعب بن مالك يحتاج إلا لهذه الحكمة العالية .. وأن يهرول إليه المهاجرون كما هرول طلحة .. وأن يقولوا بفعلهم مالا تقدر عليه آلاف الكلمات ..

فمن هرول إلى كعب كان يؤكد له عودة مكانته بين قومه واسترداد هيبته .. فالهرولة قد تعنى الاشتياق ولكنها تعنى أيضا الاحتياج وتعنى التوقير .. وتعنى عودة الأمر على ما كان عليه .

ورب قائل إن المهاجرين لم يرتكبوا إثما بانتظارهم قدوم كعب بن مالك إليهم ..وهذا صحيح .. إلا أن المقام ليس مقام الآثام أو الذنوب أو المباح أو الجائز .. بل هو مقام الحكمة العالية التي تخدم الجسد الإسلامي بإضافة طبقات صلبة لحمايته .. ولزيادة رونقه وروعته وتحسين أدائه فى أجمل الصور .. إنه مقام من يملك أدوات المعالجه ... وهو عمل تقوم به الصفوة ممن أتاهم ربهم درجة الحكمة .

ولنا أن ننظر إلى عبارات الصحابى الجليل صاحب اليوميات وهو يؤكد أنه لن ينسى هرولة طلحة .. وكأنه يقول ببلاغة العرب .. ولن ينسى معها أن غيره لم يفعل .. ذات الفعله الجميلة .. واستنتاج ذلك سهل يسير إذا ما طالعنا ألفاظ اليوميات عند هذا الموقف إذ يقول :

) حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس فقام إلى طلحة بن عبيد الله رضى الله عنه يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره ، ولا أنساها لطلحة )

صحيح إنه لن ينساها لطلحة وصحيح أيضا إنه لم يهملها بشأن من كانوا بالمجلس ولم يهرولوا كما فعل طلحة – فلن ينسى هذا .. ولا ذاك أيضا.

قد يسامحهم .. وقد لا يحمل ضغينة بين جوانحه وهذا هو الصحيح فى اعتقادنا عن هذا الجيل الفريد ..ولكن ستبقى لطلحة بن عبيد الله تلك العلامة الرائعة فى نفس صاحب الابتلاء .. فخلدت فى رواية .. تروى حتى قيام الساعة .. ويعلم منها المسلمون الحكمة .. فيعلمون ويتعلمون .. ويعلمون ..

لم يكن جديدا بعد ذلك أن نذكر طلحة ، فهو طلحة بن عبيد الله أحد العشرة الذين بشرهم الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم بالجنه..

فلا نبوغ لمجتمع .. لا يوجد فيه طلحة ..

ثالثا : نموذج القائد

الدولة الإسلامية على مر العصور تقوم على أقدام راسخة واعمدة ثابتة من أهمها الشعب والقيادة ذلك أن الحاكم هو القائد فى الجماعة المسلمة .. وهو فى ذات الوقت الرمز والقدوة التي ينظر اليها عموم الناس .. فيصلحون بصلاحها ، وكان الخليفة عمر بن الخطاب هو حرز الأمة من الشيطان ، وكذلك كل قائد صالح هو حرز لأمته من الشيطان وفى يوميات الصحابى كعب بن مالك رضى الله عنه إشارات عديدة إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم كقائد لهذه الأمة وحاكم لها وتبين الإشارات علاقته صلى الله عليه وسلم بأمته ..وكذلك بالصفوة التي صنعها الله على عينه سبحانه وتعالى .. ومن أهم هذه العلامات التي سنتوقف عندها قليلا نظرتان إلى قائدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أولا : القائد المحـب

ثانيا : القائد المربـى

اولا : القائد المحب

جميل أن نرى بين ثنايا اليوميات حب الجنود لقائدهم المصطفى صلى الله عليه وسلم وقد تجلى هذا كما سبق القول فى كل جانب من جوانب محنة كعب بن مالك والتي أضاف إليها حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم طبيعة خاصة وشوقا مميزا .. ومحنه فوق محنه.

ولكن الأجمل والأروع هو أن نلحظ بين ثنايا اليوميات حب المصطفى صلى الله عليه وسلم لجنوده .. حبا جعله صلى الله عليه وسلم يتابع أمورهم ويشفق عليهم ويألم لألمهم .. حين يتابع المصطفى صلى الله عليه وسلم أصحابه خشية أن تزل قدم بعد ثبوتها .. وإشفاقاً عليهم من غضب الله عز وجل .. أو البعد عن الصراط السوى .. إنه الحب فى أعلى صورة .. فالقائد يجلس ليسأل عن أصحابه وأحبابه واحدا واحدا حين يفتقدهم .. وفى مكان المعركة وساحتها يسأل صلى الله عليه وسلم

) ما فعل كعب ؟ )

وفى موضع أخر يفتقد واحدا منهم .. فيتمناه أن يكون :

) كن أبا خيثمة )

وكانت هذه العاطفة هى مفتاح النجاح والتوفيق والسيادة فى المجتمع الإسلامي الأول .. حب الجنود لقائدهم ..وحب القائد لجنوده .

إن حب القائد تنطق به كلمات اليوميات .. والحب هو النتاج الطبيعي للمنهج السليم ..بل هو وسيلة الحكم الوحيدة على نجاح أي منهج فردى او اجتماعي .. ونجاح أي جماعة مسلمة مرهون بالنظر إلى الحب فيها.. ومدى تأصله بين نفوس أفراده –فالجماعة المحبة .. لا يحسد بعضها بعضا ولا يغتاب بعضها بعضا ولا يقاتل بعضها بعضا ..

ولأن القائد هو فرد من الجماعة فهو لا يزيد عنها بقَدره ، ولا يعلو عليها بهامته ولا يختلف عنها فى قلبه ، فبين جوانح القائد قلب نابض بالحب حتى فاض على الجنود .. وهو النموذج الإنساني الذى يجب أن يكون الحكم على المجتمعات بقدر ما اقتربت من هذا النموذج او ابتعدت عنه ، والقائد حينما يعاقب أو يربى فهو يتخذ القرار بعقله المستجيب لنهج الله تعالى والمتلقي لأحكامه .. ويستقبله أيضا بقلبه المحب الذى يتمنى للجندي ان ينجح فى الاختبار وأن يعود إلى درجات الامتياز والتفرد .

لم يكن القائد يطبق عقابا جامدا على كعب بن مالك رضى الله عنه .. وإنما كان يعيد صياغة نفس من جديد على النحو الذى سيلي بيانه عند الحديث حول حكمه القائد .. وإعادة الصياغة لاتتم بأحكام عامة مجردة جامدة .. إنما بمعالجة الطبيب المحب الشفوق على من وضعه الله أمانة بين يديه وأطلعه على عيوبه لا لفضحه ولكن لعلاجه ، إن هذا الكم من الحب هو الذى يضمن نجاح الاختبار ويقوى نفس الجندي على مقاومة الابتلاء .. لقد عبر كعب بن مالك عن ذلك الحب تعبيرا مس شغاف القلوب فى صورة رائعة بين القائد والجندي :

) وآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو فى مجلسه بعد الصلاة وأقول فى نفسي هل حرك شفتيه برد السلام على أم لا ؟ )

وينتهى عند هذا الحد المشهد النفسى الأول والذي يدور داخل نفس الجندي حينما تستبد به الحيرة .. حول قائدة وحبيبه .. سائلا ما إذا كان صلى الله عليه وسلم قد رد السلام .. أم لا .. ويبقى ما قاله عن حب القائد له وهو الأهم فى المعالجة

فيقول ) ثم أصلى قريبا منه فاسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلى وإذا التفت نحوه أعرض عنى )

ما أجملها من صورة .. إنها صورة الحب الخالص ..

وما أروعه من قائد محب .. ما تمنعه صرامة إجرات العلاج ودقة تنفيذها من أن يلبى نداء قلبه تجاه الجندي المحبوب .. لأنه يحب جنوده ويبادلهم حبا بحب .. وإذا كان صلى الله عليه وسلم هو الذى أمر بمقاطعة الثلاثة .. إلى أن يقضى الله فى أمرهم إلا أن هذا الأمر لم يصدر عن غضب أو ضيق إنما صدر عن عدالة وقيادة .. وحكمة وتربيه .. وحب .. فهى عدالة لأن كعبا ومن معه هم من المسلمين رغم مكانتهم .. متساوون مع عامتهم فى الحقوق والواجبات .. وهى قيادة .. لأن الجندي الذى ثقلت به قدمه عن معركة .. يحتاج إلى إعادة صياغته وإلى تدريب نفسي جديد .. ليعود إلى مستواه الإيماني .. فالجندي لابد وأن يحمل قلب مسلم قبل أن يحمل سيف مسلم.

ورغم هذه العدالة وهذه القيادة .. فقد سكن معهما جنبا إلى جنب حب عميق نادر المثال .. يجعل القائد ينظر إلى الجندي فى شفقة .. ثم سرعان ما يلحظ صلى الله عليه وسلم أن الجندي قد انتهى من صلاته فيعود بوجهه إلى الجانب الآخر ..

والجندي يسارق قائده النظر .. والقائد يمنع نفسه من النظر إليه رغم رغبته إليها حتى إذا أقبل الجندي على صلاته .. نظر إليه القائد شفقة ومحبة .. فإذا ما نظر الجندي إلى قائده صلى الله عليه وسلم التفت بوجهه إلى جهة أخرى .. وهكذا ، وليس فى الروايات أدق من تعبير كعب بن مالك على النظرة المحبة

) فأسارقه النظر )

وليس فى الروايات أدق من تعبيره رضى الله عنه عن نظرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أقبل إلىّ )

ويا لرقة التعبير عن نظرات المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى أحد جنوده الأحباء فالإقبال أعم وأشمل من النظر .. ذلك أن الإقبال يشير إلى حالة النفس وقت فعلها .. وهو تعبير عن شدة الصفاء والمحبة وهو أعلى من مجرد النظر وبعد هذا التعبير الرائع لـن يـدور السـؤال حـول نظرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وما إذا كانت نظرة عتاب أو ضـيق أو لوم شديد وإنما كانت نظرة الإقبال النفسي فى أسمى معانيها .. وفى مزيج من الحب والشفقة والحنان ..

إن فى حب الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته سر البقاء والخلود .. سر القوة والانتصار .. ولأن الحب هو الرحمة .. ولأن الحب هو الرأفة فإن القرآن قد منحهم لقب الرحماء حينما وصلت الوشائج بينهم إلى مستوى الرحمة

( محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم ( سورة الفتح الآية 29

) لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ( سورة التوبة الآية 128

ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان رؤوفا رحيما بأمته .. فإنهم قد أصبحوا رحماء بينهم إنها محبة القائد لجنوده وقد فاضت فغمرتهم وهى التي صنعت هذا الجيل القرآني الفريد والتي يصح بعدها أن نطالب أي قائد لم يجمعه مع جنوده رباط الحب .. بأن يترك موقعه فورا .. فطاعة القائد وحبه مزيج واحد .. لا ينبغي أن يغيب طرف منه أبدا

( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ) سورة ال عمران الاية 159

ثانيا القائد المربي

التربية تحتاج إلى الحكمة .. والحكمة تقتضي استخدام كل السمات الإنسانية للقائد فى مزيج واحد ..

وتباين المواقف هو الذى يفرض تباين استخدام السمات التربوية للقائد ومن المعلوم أن القائد المربي .. يختلف تماما عن القائد العسكري الذى يقود حملة محددة كما يختلف عن أصحاب المهام والمسئوليات المحددة .. وهو على وجه العموم أشمل وأعم فى المهام ، والحكمة مطلوبة فى الكثير من المواقف القيادية إلا إنها عند القائد المربي تعد من أهم الأسس والعناصر التي يجب أن تقوم عليها شخصيته وعلى من يتولى مسئولية القيادة أن ينظر إلى الجانب التربوي الذى تتضمنه تلك المهام ، ذلك أن المزج بين السمات هو كالمزج بين عناصر الدواء .. فلا ينبغي أن تزيد نسبة اللين فى موقف عن القدر المطلوب إلا أنه فى موقف آخر قد يكون الحزم هو سيد الموقف وصاحب النسبة الأعلى ويكون اللين هو الأمر اللازم للحفاظ على سلامة العصا .. وحتى لا تنكسر فلا يصلح لها التقويم بعد ذلك .. ولأن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم هو النموذج المقاس عليه .. فمن العقل أن نتدبر رحمته بأصحابه ومن العقل أيضا أن نتدبر حزمه فى تطبيق الأحكام ومعاقبة المخطئ .

وكثيرُُ من القادة يظنون أن الحزم فقط هو أساس القيادة فيغالون فى تقديم قيادة من سمة واحدة تقتل المريض ولا تعالجه .. وهم إذ يرتكبون ذلك الخطأ يستترون خلف النظام والقواعد والقانون والمبادئ وغير ذلك من العناوين البراقة إلا أن اللين وحده أيضاً قد يقتل المريض كذلك .. لاسيما إذا تم تجاهل نسبة الحزم المطلوبة والجدية فى تطبيق الأحكام.

وقد يستتر أيضا أصحاب هذا الأسلوب خلف عناوين أكثر إبهارا من سابقتها كالرحمة والتآخي والمودة والرفق ..

إن المزيج الصحيح لا يصدر إلا من قائد صحيح .. لا يكون لمزاجه الشخصي أي دور فى تكييف المواقف أو تقدير الأشخاص ..

فالموقف هو العنصر الأول من عناصر التقييم ويأتي بعده الشخص وطبيعته وتاريخه ومكانته فهى العناصر التالية من عناصر التقييم ومن خلالها يتم وضع المزيج المناسب لمعالجة مرتكب الخطأ .. إلا أن المزاج الشخصي* للقائد ليس هو الآفة الوحيدة التي يجب علاجها أين وجدت بل قد يكون أشد منها الطبيعة الشخصية للقائد التي لا تحسن مزج السمات والأساليب التربوية - ولو بحسن نية – وهو تصور شخصي يعود إلى قلة الإمكانات فى هذا المجال ، فالقيادة قدرة وملكة ..

وفى قصتنا فإن استعراض الوقائع عند المصطفى صلى الله عليه وسلم كان هو المقدمة العادلة لصناعة المزيج المقابل لمعالجة المرض .. إن القائد هنا هو الطبيب الذى قد لا يعاقب المريض على ارتفاع حرارته وإنما يلجأ إلى معرفة أسباب ارتفاعها فيعالجه .. وهنا فقط يفرض الطبيب على المريض إقامة جبريه لمدة محددة أو العزل عن الأصحاء .. أو غير ذلك فإن القائد المربي هو الطبيب المعالج .. والأب الشفوق والام الرؤوم والقاضى العادل والأب الحازم ، وكل ذلك فى وعاء واحد ومزيج واحد متفاوت المحتوى فى قوته او لينه حسب الحالة والشخص ، ويجمع بينهم وعاء الحب فى نفس القائد والذي سبق أن أشرنا إليه حينما ينظر صلى الله عليه وسلم بطرف عينه حبا وإشفاقا على صاحبه ومع ذلك يصدر القرار إليه باعتزال الناس واعتزال أهله بوضوح وصرامة .

ثم هو هو صلى الله عليه وسلم يبشر صاحبه بتوبة الله عليه

) أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك )

وتأتى التهنئة بعبارات تكسوها المحبة أو هى عادة مما تتداول بين الأحبة والأصحاب .. ثم هو هو صلى الله عليه وسلم الذى يستنير وجهه من فرط سروره بتوبة الله على صاحبه

* يقصد بالمزاج الشخصى – الهوى

 

) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر وكنا نعرف منه ذلك )

ومن هنا فان المهمة التي ألقيت على عاتق الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم مهمة ذات وجوه ثلاثة – أولها وضع العلاج المناسب لمثل هذه الشخصية .. شدة أو لينا .. ثانيها – مراعاة حجم الابتلاء الذى وقع فيه الصحابي بما يعانيه من لوم ذاتي وشعور فياض بالندم .. فما كان الوجه الأول وهو العقاب ليعيش فى منعزل عن الوجه الثاني وهو واقع الابتلاء الذى يمر به الصحابي - أما الوجه الثالث فهو المطلب الأساسي من العقاب أو الابتلاء .. أو كافة الإجراءات الأخرى وهو إعادة صياغة تلك النفس الراقية لتعود إلى رقيها السابق او أعلى منه .. فلم يكن العقاب فى حالتنا لمجرد العقاب .. كما أن شدة الابتلاء لم يقصد منها إلا إعادة البناء وهو الهدف الذى يجب أن يسير إليه العلاج مع الابتلاء .. ومن هنا سيتم بعون الله مناقشة الوجوه الثلاثة ( العلاج – والابتلاء – واعادة الصياغة ) التي نظرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوفق بينها وأخرجها فى وعاء واحد وهو وعاء الحب .

أ – العـــلاج

فأما العلاج .. فبدأ بقوله صلى الله عليه وسلم :

) فقم حتى يقضى الله فيك )

ثم يتطور ) ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت فى نفسى الأرض فما هى التي أعرف )

ثم يصل العلاج إلى ذروته حين يأمر المصطفى صلى الله عليه وسلم بالعزل بين الصحابي وزوجته

) حتى إذا مضت أربعون ليله من الخمسين إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك بان تعتزل امرأتك )

وهذا أمر خطير يثير تساؤل الصحابي عما إذا كانت زوجته قد أصبحت لا تحل له ؟ أم سيفرق بينهما ؟ أم أن هذه مقدمة للحكم على سلامة دينه وعقيدته ؟

ب – الابتــلاء

وأما الابتلاء صيكفى ما وصف به الصحابي الجليل حاله

) حتى تنكرت فى نفسى الأرض فما هى التي أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة )

ثم يحاول أن يحدث مسلما قريبا إلى نفسه ولعل قرابته تشفع له فيرد عليه حديثه أو يسامره ) حتى إذا طال على ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط ابى قتاده وهو ابن عمي وأحب الناس إلى فسلمت عليه فوالله ما رد على السلام )

ولا ينسى الصحابي الجليل أن يذكر اثر الابتلاء فى أصحاب المحنه والابتلاء وهو هلال بن امية فكأنه يريد أن يصف حاله أيضا ..

) والله ما به حركة إلى شئ والله ما زال يبكي منذ كان من أمره )

ولكن الابتلاء العظيم لم يكن فى مخاصمة الناس للصحابي الجليل بل كانت تلك المخاصمة هى أول درجات الابتلاء أما قمتها فكانت عندما حاول إبليس عدو الله استغلال الموقف واستغلال ما قد يتصوره فى النفس الإنسانية من ضعف فيختار – لعنه الله – لحظة استـنكار الناس لكعب وهو العزيز بـينهم ومن أعلى الناس نسبا ليطرح عليه الكفر بدلا من الإيمان تحت حماية نقطة الضعف والتي هى إنكار الناس لعزة كعب ومكانته فيمنحه البديل النفسى فى ذات اللحظة التي يتصور احتياج المؤمن لها ..

إنها لعبة الشيطان المتكررة على مر التاريخ ..

ومارسها الشيطان على الصحابى فى كلمات لا تزيد عن عشرين كلمه .. أرسلها له ملك غسان .. )أما بعد فانه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة ، فألحق بنا نواسك )

وهذه الكلمات أرسلها ملك غسان فى قطعة من الحرير لتسلم إلى يد كعب بن مالك رضى الله عنه .. من عدو للمسلمين يدرس جبهتهم الداخلية بدقة لعله يجد منفذا ، وتكون قوة هذا الابتلاء فى أمور ثلاثة أولها -وقت الابتلاء وثانيها - يكمن فى شخصية مرسل الرسالة ، أما ثالثها فيكمن فى الواقع الذى يحيط بالابتلاء

أ – وقت الابتلاء

فأما وقت الابتلاء فقد أتى عقب صدور القرار الاحتياطي - إن صحت التسمية - بمقاطعة الثلاثة الذين خلفوا .. ويضاف على ذلك ما أصاب كعبا بصفة خاصة .. إذ يتسور جدار حائط أبى قتاده وهو ابن عمه ثم يستحلفه بالله أن يجيب عليه سؤاله .. فلا يرد .. ويزداد الأمر صعوبة حينما يأبى ذلك الأخ والقريب حتى أن يرد على كعب سلامه

)حتى إذا طال على ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبى قتاده وهو ابن عمي وأحب الناس إلىّ فسلمت عليه فوالله ما رد على السلام فقلت يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت ، فعدت له فنشدته فسكت ، فعدت له فنشدته فقال : الله ورسوله أعلم ، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار )

إلى هنا يتضح لقارئ اليوميات تلك الصعوبة التي أنشأها وقت البلاء وطريقة الشيطان فى استغلال التوقيت إذ يقول صاحب اليوميات بعدها مباشرة

) وتوليت حتى تسورت الجدار . قال وبينما أنا أمشى بسوق المدينة إذا نبطى من أنباط أهل الشام ممن قدم لطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدلني على كعب بن مالك ؟ )

تلك إذن أدق اللحظات .. وهى لحظة الصفر التي أرادها الشيطان لمعركته .. وهى لحظة يتصور فيها الشـعور بالهـوان والمــذلة إذ يخاطب الصحابى أقرب الناس إليه فلا يرد عليه سلاما ولا قولا .. فيتخير الشيطان هذه اللحظة ليرسل إليه الفتنة على شكل دعوة من ملك غسان .

ب – مرسل الرسالة

وأما عن مرسل الرسالة فهو ملك غسان .. فلم يكن رجلاً من البسطاء أو العامة .. بل كان ملكا قادرا على إنجاز وعده ومنح الصحابى ما افتقده من عزة وكرامة حسب ما يوحي الشيطان للنفس الإنسانية وقتئذ ..

وبغض النظر عما سيحققه ملك غسان لنفسه من منافع إلا أن عبارات الرسالة لا تشير إلا إلى المنافع التي ستعود على المبتلى صاحب اليوميات رضى الله عنه ، وأما ما يعود على ملك غسان فقد أخفاه فى نفسه

) أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك )

وهى كفيله بإثارة مشاعره ومخاطبة عناصر النقص فى نفسه كما أن مرسلها قد أحسن اختيار ألفاظها .. فانظر إلى الدقة فى اختيار لفظ ( صاحبك ) ومعه فى السياق لفظ (جفاك) ولسان حال الرسالة يتعجب هل يكون صاحبك من يجافيك ؟ ! وهو المعنى المقصود ، ثم انظر إلى استخدام عبارات ( الهوان ) و( المضيعة ) ولا ينسى ملك غسان أن يضع الإطار المقبول لهذه الرسالة وهو الإطار الذى سيسهل على النفس امتصاصها وقبولها ، وكان الإطار الإيماني هو التعبير عن الأرضية المشتركة ، أو قل ان شئت ستار الأرضية المشتركة .. الذى قد يبعد عن النفس الإنسانية شكل الخيانة او اللجوء للآخر من غيرنا .. فهو فخ وشرك ينصبه الشيطان مستعملا أحد جنوده من البشر ...

كل هذا تحققه عبارة ( ولم يجعلك الله ) والتي يستخدم فيها لفظ الجلالة لإضفاء اللون الإيماني على رسالة الخيانة والتمرد ..

كما أن توقيت الانتقام للذات من الجماعة كان اختياره دقيقا .. فهى ذاتها تلك اللحظة الضعيفة التي تدفع الانسان الى اللجوء إلى أعداء الجماعة الصالحة .. تحت دافع خفي وهو الانتقام للذات وإن كان لظاهر التصرف دائما مظلة تخفى حقيقته حتى عن نفس المرء أحيانا ..

جـ – واقع الابتلاء

أما عن واقع الابتلاء فلا تلخص أيام المحنة إلا كلمات الصحابي الجليل كعب بن مالك والتي تصف حاله وقت عرض الرسالة

) حتى تنكرت فى نفسى الأرض )

وأما عن حال الناس معه ( فاجتنبنا الناس ) .. حتى هؤلاء الذين كان يحسن إليهم ويتصدق عليهم .. امتنعوا حتى عن سؤاله او الحديث معه .. وعن المقربين إليه من الأصدقاء والأقارب فقد حدث ما لم يتوقعه ..إنهم يتحرجون حتى فى رد السلام ..

ثم إن الأمر فى حالة تعليق .. فلا قد صدر عقاب ولا قد انتهى الموقف عند حد .. وفضلا عن ذلك فقد طالت المدة .. حتى بعد ان تلقى الرسالة فقد استمر واقع الابتلاء ليزداد باعتزال امرأته ..

إنه ابتلاء عظيم صنع واقعا مرا أليما ..

تلك العناصر الثلاثة للابتلاء والتي أوجزناها فى وقت الابتلاء وصاحب الرسالة ودوافع الابتلاء شكلت ذلك الحجم الضخم أمام الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يربى أحد رجال الصفوة من الصحابة المقربين ...ومع ذلك فقد نجح القائد فى إعادة صياغة الجندى المتميز كعب بن مالك .

د : إعادة الصياغة

وهى المهمة الثالثة على عاتق الحبيب المصطفى .. إنها أشبه بإعادة السلاح الفعال إلى فعاليته السابقة إذا ما أصابه صدأ - ولو قليل - ومعالجة الأمر بصورة سريعة تتناسب مع متطلبات الموقف .. ولا يـنبغي أن تطغى السـرعة على الوقـت اللازم للمعالجة .. فالمطلوب هو إنجاز المهمة ولكن فى وقتها المناسب .

وقد علم الطبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أن نفسا كنفس كعب ما كانت لتجنح إلى الدنيا بأي قدر وأن ما ملكه من أرض وحدائق إنما ملكها فى يده ولم تملك هى قلبه ولو بقدر قليل ، ومع أن الامر قد اختل فى نفسية كعب ولو بنسبه قليلة .. إلا أن ذلك لم يؤثرفى طبيعة كعب الصادقه .

ومعطيات الحالة ودوافعها عند المصطفى صلى الله عليه وسلم – تصل إلى درجة اليقين من حيث الصحة – فالصحابي صادق

( أما هذا فقد صدق )

ولم يكن فى واقع الصحابى المادي ما يمنعه .. وليس لديه سبب من أسباب الإعفاء من الغزو والمنصوص عليها شرعا

) ووالله ما كنت أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنك )

ومن هنا فان العلة قد كمنت داخل النفس الإنسانية ولم تكن خارجها .. وليست نفس كعب بن مالك كأي نفس .. فهى الحصن المنيع أمام سهام إبليس وحيلته ، فمن أين اختُرقت تلك القلعة الصامدة ؟

إن كعبا فى يومياته يقر بأن الشيطان قد غزاه باستخدام طول الرجاء والأمل وتسويف ما حان وقته حتى يفوت زمانه ووقته

)فاصبح رسول الله والمسلمون معه فلم أقض من جهازي شيئا )

ثم المبالغة فى الإرجاء حتى أضيق الأوقات

) فقلت أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقهم ، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعـت ولم أقض شيئا ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا )

وبعد هذه المغالبة والمصارعة .. أعلن إبليس انتصاره فى جولة من أهم الجولات

) فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت فلم يقدر لي ذلك )

وكان على الحبيب المصطفى أن يعود بهذه النفس البيضاء النقية إلى سالف عهدها ، وإذا كانت هذه النفس اللوامة تبحث عن خلاصها من ذنبها .. فلم يكن من المفيد أن يعود إليها طوق النجاة فى ذات لحظة الخطإ دون أن تطهر نفسها باللوم وعذاب الانتظار .. فكان الوقت هو المدخل الأول لإعادة الصياغة والتربية، وكان هو الوعاء الذى احتوى طرق العلاج المتباينة .. وبدأ الوقت مع شهادة الصدق .. بل واعتمد على طبيعة الصدق فى نفس كعب كركيزه للعلاج.

) أما هذا فقد صدق .. فقم حتى يقضى الله فيك )

وكانت هذه هى المرحلة الأولى

ثم استمر الوقت لمدة أطول للعبور إلى المرحلة الثانية

) حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين )

ثم انتهى الوقت عند تمام العلاج والمرحلة الأخيرة

) فلبثنا على ذلك خمسين ليله )

ومن خلال تلك الفترة الطويلة .. بدأت جرعات العلاج ، فعلى الإنسان أن يعلم أن عزته ومجده وهيبته لا يحددهم إلا مدى الولاء إلى أمته المسلمة .. وأن التمايز والتفاخر بالجاه والسلطان إنما هو تفاخر وتمايز لا أصل له فى المجتمع المسلم كما أن مرده على النفس الإنسانية يكون بإضعافها والحط من إرادتها .. وكان على الطبيب وهو يعالج أن يظهر الفارق للصحابي بين الحالتين ..حاله يملك الانسان فيها مالاً فى يده فلا يؤثر على قراره الإيمانى ، وحاله تخاطب فيها الأموال قلبه وتصنع زهوه وتـثـقل من قدميه إلى الأرض فيبتعد عن الجماعة كأول صورة من صور الشعور بالتميز والاهتمام بما لا ينبغي الاهتمام به .. ثم يتطور الأمر إلى الخوف على ما فى اليد من ملكية بما يتبع ذلك من منحها الوقت والجهد .. حتى تمتلك المملوكات مالكها .. كله .. عقله وجسده ووقته وانفعاله وينسى مجتمعه وإخوانه فى مرحلة مهلكة..

صحيح أن الأمر يبدأ فى حرمان المجتمع والإخوان من وقت قليل يتم تحويله إلى الممتلكات .. ومن السهل أن يستساغ ذلك ، لاسيما فى ظل الأزمات المالية الطاحنة فى أيامنا هذه .. إلا ان الحذر والتحذير ليس من الخطوات الأولى أو من المراحل الأولى على كافة أشكالها .. بل من النهاية التي يجب أن يحذر الإنسان منها .. لذا كانت الآية محذرة من النهاية ( كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر )

ولايقولها الشيطان الا بعد الخطوات ..

فالملكية الناضجة التي منحها المرء قليلا من الوقت لا ينبغى أن تتملك قليلا من النفس ، وإن هى تملكت قليلا من النفس مع الوقت فإنها تلح فى أن تدفع الإنسان الى أن يتبنى ملكية أخرى فيمنحها بعضا من الوقت وذلك على حساب الوقت الذى يجب أن ينفقه المرء مع الجماعة المسلمة .. والملكية الجديدة تأخذ نصيبها من النفس ولا شك .. ومن الوقت أيضا .. ثم يتطور الأمر إلى نصف الوقت .. حتى تلتهم المملوكات الواجبات كلها .. ويتحول المالك إلى مملوك يخدم سيده ويمنحه وقته وعرقه وجهده وانفعالاته وشغفه وأمله ويأسه .. وتنهار المشاعر الإسلامية السامية أمام مشاعر السوق المستحدثة .. ويحل تنافس الصناعة والزراعة وجودة المنتج محل منافسة الجماعة فيما بينها على فعل الخيرات والتسابق إلى الدعوة – طريق الجنة ، ولأن المصطفى صلى الله عليه وسلم يجب أن يعيد المعادلة إلى أرقامها الصحيحة وبالطبع لا يكون ذلك فى إلغاء المال او غريزة التملك .. ولكن يكون ذلك فى التحذير من أن تتحول ملكية الإنسان للمال لخدمة الجماعة إلى ملكية المال للإنسان على حساب الجماعة.. يجسد هذا الحديث القدسي

( يا دنيا من خدمني فاخدميه .. ومن خدمك فاستخدميه )

وحتى يتم إصلاح الأمر ، منع الطبيب عن مريضه أنس الجماعة .. ليذيقه مرارة الوحدة التي اختارها لنفسه عندما تخلف بسبب اهتمامه بالمملوكات ..

وكأنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو صاحبه إلى تجربة الأمر بالمآل وليس على قدر الحال .. إنه يخبره بأن الحرارة قد بدأت فى الارتفاع .. صحيح أنها لم ترتفع كثيرا ربما درجة أو أقل ولكنها نذير ببداية المنزلق الذى سيصل به إلى اعتزال الجماعة .. والذي ينتهى به إلى أن يحرم نفسه من الجماعة .. وأن يحيا لنفسه فقط – ذلك أن شيئا قد شغل الصحابى عن حاجة الجماعة إليه .. وكان هذا التخلف بداية لمرض .. يحتاج إلى العلاج الفوري .. ومن هنا فإن النظرية قد بدأت فى الاهتزاز فى قواعدها ..

فلم يعد أمر ملكية الإنسان لخدمة الجماعة كما يدعى الصحابى وإنما المال هو الذى بدا فى تملك الإنسان على حساب الجماعة فى غزوة هى تعبير عن مصلحة الجماعة التي انشغل عنها أحد المقاتلين الأفذاذ ..

والعلاج يأتى بتجربة الأمر كما سبق القول ، فمنح النبي صاحبه فرصة المعايشة الكاملة لواقع كان يسير إليه بخطى سريعة .. وهو واقع اعتزال المجتمع .. والذي يكاد أن يصل إليه المرء بعد أول هزيمة أمام الشيطان .. فهى الأصعب دائما .. وبعدها تتوالى الهزائم و الانهيارات وبدلا من أن يكون المال خادما .. يصبح هو المخدوم ..

إذن فقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم صاحبه من الجماعة لأن مآل الأمر كان سينتهى بهذا الصحابى إلى حرمانه من الجماعةلو استمر فى هذا الخطأ .. فلا الأحاديث تدور بينه وبينهم ولا السلام ولا الكلام ..

ثم أبقى صلى الله عليه وسلم – على كل العناصر التي شغلت الصحابى عن الغزو فأبقى له أرضه وحدائقه و ماله ولم يأخذ منه إلا الجماعة

( ونهى صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا )

والتزم المسلمون بالأمر طبعا

) فاجتنبنا الناس)

حتى النبي المحب ضرب بنفسه المثل فمنع نفسه - على عناء وتعب - حتى من مجرد النظر إلى الصحابى مغالبا كل مشاعره الفياضة صلى الله عليه وسلم

) ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلىّ )

وحتى أقرب الأقارب وأعز الأصدقاء وأحب الناس إليه – أبو قتادة - الذى تجمعت فيه وفى علاقته بكعب كل هذه الصفات المجتمعة .. أبى ان يحدثه ولو بالسلام

)فسلمت عليه .. ووالله ما رد على السلام )

ولأن الزوجـة هى جزء من المجتمع المسلم فـقد سرى عليها نفس ما سـرى على بقية أفراد المجتمع من إجراء .. فلتكن التجربة كامله إذن وبنفس الترتيب الذى سيحدث إذا ما تملك المال من الإنسان .. فهو يبدأ بمجتمعه فعلا .. وتكون الزوجة هى آخر الضحايا .. إذن فقد نقل النبي صلى الله عليه وسلم تلك الحقيقة الغائبة إلى الواقع كحياه مجسده أمام كعب بن مالك رضى الله عنه

) حتى إذا مضت أربعون ليله من الخمسين إذا رسول رسول الله عليه وسلم يأتيني فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك ان تعتزل امرأتك )

وهكذا اكتملت الدائرة .. فليجرب كعب واقع الابتعاد عن الجماعة المسلمة .. وليحاول أن يتحمله لمدة خمسين ليلة فقط ، وقد نقل إليه المصطفى صلى الله عليه وسلم ذلك الحال الذى سيكون فى المآل وهو الذى لا ينطق عن الهوى ..

وكانت نتيجة التجربة كما وصفها صاحب اليوميات تلك المشاعر التي آلمته إلى الدرجة التي تنكرت فى نفسه الأرض .. وضاقت عليه الأرض بما رحبت .

إنه إذن قد رأى الحال بعين رأسه .. وليس من المهم أن يكون المريض على علم بطبيعة الدواء أو تركيبة الأجزاء منه .. إلا ان الثقة فى الطبيب هى التي تجعل المريض يصبر على ألم الدواء ومرارته..

ومقاطعة المسلمين لكعب وصحبه هى حكمة تربوية عالية تظهر له فائدتها فى الوقت الذى يشاء الله لها ان تظهر .. ولكن إلى أن تظهر الفائدة لابد وأن يعيش كعب فى واقع هو نهاية الطريق الذى بدأه مع أول انشغال خاطئ عن الجماعة.

واستمر العلاج لخمسين ليله كاملة .. وهو المزيج من قرارات ثلاثة :

إرجاء الأمر إلى أن ينزل الله فى كعب وأصحابه قرآنا .. مهما طال الوقت وهو شعور بالقلق يأتى بإيلام أشد مما لو نزل به العقاب .

إصدار الأمر إلى جماعة المسلمين باجتنابهم حتى وصل الأمر إلى أقرب الأصحاب وأقرب الأقارب وإلى عدم رد السلام .. حتى من أحب الناس إلى قلبه

اعتزال كل منهم لامرأته

وهذه النقاط الثلاثة التقى بها كعب بأمر من الرسول صلى الله عليه وسلم وكأنه يرى حاله عند التمادي إلى نهاية الطريق ، وقد أتى هذا المزيج بنتائجه الرائعة وارتقى كعب إلى درجه كان عليها قبل أن تحدثه نفسه بما حدثته .. بل وارتقى على تلك الدرجة بعهده مع الله .. وهو ما نطلق عليه نجاح مهمة المربى .. فالغاية من أي اجراء علاجى هى الإصلاح .. حتى لو كان الردع الـعام مستهدفا فإن الإصلاح هو الهدف الأسمى من العقوبة .. إن نجاح هذه المهمة كان مرهونا بمزيج رائع من حب المربى للجندى .. ورغبة المربى فى إصلاح الجندى والشفـقة عليه ، وحرص الجماعة المسلمة على أبنائها وثـقة الجندى فى محبة وحكمة قائده .. تلك العناصر التي لو غاب واحد منها لتحول الأمر إلى معركة كلامية تستعر بين المسلمين وتنتهى بفقدان المجتمعات المسلمة أحد رموزها من أصحاب السبق فيهم والقيادة ..

نعم .. إن كثيرا من القادة يعالجون على أرضية غير أرضية الحب .. بل إن بعضهم ينتـقمون فى صورة العلاج أو العقاب وثمة خيط رفيع بين كل حالة .. يجب التبصر به..

خاتمه

نجاح مهمة المربى ( صلى الله عليه وسلم)

كما رواها صاحب اليوميات

وإذا كان كعب بن مالك قد مر بمشاعر عديدة أثناء هذا الابتلاء .. كالألم النفسى والتردد والهم بالخطأ ثم العودة إلى الصواب – كمرحله أولى .. حين قال ..

) فطفقت أتذكر الكذب )

) وأستعين على ذلك بكل ذي رأى من أهلي )

( فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى هممت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكذب نفسي )

إلا أن المشاعر المتباينة وهذا الصراع الداخلي كان بمثابة الزلزلة التي هدمت كل ضعيف فى نفس كعب وأبقت على القوى منه ..

كانت هذه الاختبارات بمثابة حواجز وعقبات يجب عليه أن يتخطاها وهو فى سباقه إلى رضى الله مره أخرى كي يفر إلى الله من ذنبه إذ عصاه ، وقد نجح كعب فى ذلك .

ولا نجد غرابة فى أن تتعرض هذه النفس وهى فى هذه المرحلة إلى المقاطعة والاجتناب ثم إلى عدم المصافحة من المسلمين والامتناع عن رد السلام من أقرب الناس إليه ثم تتعرض إلى فتنة العرض السخي من ملك غسان بالهجرة إليه ليكون عزيزا سيدا ثم بالأمر باعتزال زوجته .. وكلما خرج من حلقه دخل فى حلقه أضيق منها ..

كل هذا مع نظرات النبي الحانية عليه ومتابعته صلى الله عليه وسلم له .. والنظر إليه فى الصلاة بطريقه المسارقه الخفية.

ولعله صلى الله عليه وسلم كان يرسل إليه من يتابعه دون ان يراه .. ولعله علم بأمر ملك غسان .. فما كان ذلك ليخفى على النبي وقد علمه رب السموات ..

بل انى لأتصور الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو يمنح كعبا درجاته النهائية فى كل امتحان ، ومن هنا فقد يسلم كعب بن مالك أوراق إجابته ولكن فى نهاية الاختبار والعلاج .. ولكن النجاح أيضا كان على مراحل فإذا ما لامه أهله وعشيرته على صدقه – وهو امتحان مبدئى فى المرحلة الأولى .. إذ يقولون ..

) والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ؟

ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك )

أجابهم بالإصرار على ما فعل -عن صدق وبمزيد من الإصرار- بعد أن سأل عمن يزامله محنته فأخبروه باسم مرارة بن الربيع وهلال بن أمية الواقفي ، وهنا وضع إجابته على الأوراق فى الامتحان الأول بالإصرار على الصدق

) فمضيت حين ذكروهما )

وهنا يحصل كعب على درجات السؤال الأول فى الامتحان إن صح التعبير ..

ثم بدا الامتحان الثاني وهو عبارة عن دائرة أضيق من سابقتها

)فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا )

ثم ما كان بينه وبين ابن عمه وحبيبه أبى قتادة من امتناع ذلك الحبيب والقريب حتى عن رد السلام ..

وتجمع الألم مع ألمه السابق والشديد بإعراض رسول الله عليه وسلم عن النظر إليه إلا خلسة .. ليأتي وسط هذه الحلقة الأضيق السؤال الثانى والذى يعبر عن المستوى الأعلى فكان الامتحان الثاني هو رسالة ملك غسان

) أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فألحق بنا نواسك )

وفى هذه المرة كانت الإجابة أسرع مما يتصور الإنسان وهو يضيق عليه بحبائله .. كانت إجابة الصحابى الجليل تعبر عن عمق إيماني كبير ، وعن فهم إسلامي رائع ، وعن حب لله ولرسوله ، وعن فهم لطبيعة الابتلاء وحكمته وغايته

) فقلت لما قرأتها وهذا أيضا من البلاء ، فتيممت بها التنور فسجرته بها )

إذن فقد كانت الإجابة الثانية فى الامتحانات الربانية هى حرق الشيطان حرقا والقضاء على أمنياته الشريرة .. بأن قام الصحابى بحرق الخطاب ولكن ثمة ملاحظة هامة يجب ان نذكرها ذلك أن الإجابه فى الامتحان الثاني كانت أسرع .. ولم يصبها التردد .. بل كانت أشد فلم تكن بالرفض وإنما بالحرق كما أن النظر اليها كان عن علو وتـفهم .. باعتبارها من البلاء وهو ما يعبر عن تطور هائل فى نفسية الصحابى الجليل .. وهنا كان النجاح فى المرحلة الأدق والأصعب .. وهو نجاح يؤهله للمرحلة الثالثة ويؤهله للسؤال والامتحان والدائرة الثالثة .

فأما الدائره الثـالثة فهى الأضيق .. وتمثلت فى الأمر باعتزال امرأته رضى الله عنه ) إن رسول الله يأمرك ان تعتزل امرأتك )

وكان نجاح كعب بن مالك رضى الله عنه فى هذه الدائرة الأضيق هو النجاح الثالث والأخير فى سلسلة الابتلاءات .. وكان هو الأشد ولاشك ، فماذا بعد أن قاطعه الناس لمدة أربعين ليله سابقه ؟! هل تكتمل الحلقة بحرمانه حتى من مخاطبة امرأته ..!!! إلا ان نجاح الصحابى فى هذه الحلقة عجل بإعلان فوزه برضا الله عز وجل – ذلك أن إجابة كعب كانت واضحة وناضجة بل إنها فى الثالثة قد تعدت حدود النجاح ..

ذلك أن كعبا بن مالك رضى الله عنه قد أبى على نفسه حتى مفاتحة النبي صلى الله عليه وسلم فى أمر أباحه لغيره صلى الله عليه وسلم .. فكانت امراة هلال بن امية قد استأذنت الرسول صلى الله عليه وسلم فى خدمة هلال .. وقد أذن لها المصطفى صلوات الله وسلامه عليه بشرط ألا يقربها ..

إلا أن صاحب اليوميات قد رفض ذلك .. رفض حتى أن يطلب ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم .

لقد حرم نفسه من مباح .. وكانت علته فى ذلك هو الخوف من إجابة محتملة بالرفض أو أن يظن به الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ظنا.. وقرر ذلك ونفسه قوية .. ثابتة .. غير مترددة .. مؤمنه بحكمة الابتلاء غير متحايلة عليه .. هذه النفس المهتمة برؤية قائدها لها ، وفى أن يراها فى أحسن ثوب وفى أحسن قبول لحكم الله ورسوله ، ومن هنا فقد عادت إليه هيبة الجماعة وهيبة القيادة والخوف من ظن القائد أو الجماعة وهنا فقد تفوق على نفسه درجة بعد درجة

) فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى امرأتك كما استأذن هلال بن أميه أن تخدمه فقلت : والله لا استأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريني ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنت فيها وأنا رجل شاب ؟ )

فكان ذلك هو نجاحه فى الدائرة الثالثه وحصوله على الدرجة النهائية ..

ومن هنا فإن للقارئ أن يلاحظ الفارق فى نفسية صاحب اليوميات بين أول اختبار وبين آخر اختبار، الذى كان فى هذا الموقف الأخير .. ذلك أن أهل عشيرته حينما حدثوه بأن يعتذر إلى رسول الله بعذر..وأنه سيكفيه استغفار الرسول له .. تقبل كعب هذه النصيحة بنفسية مترددة وظهر ترددها من خلال عبارته

( فو الله مازالوا يؤنبونني حتى هممت أن أرجع فأكذب نفسي )

ولكن على العكس من ذلك فقد واجه الامتحان الأخير بنفس ثابتة وبإجابة قاطعه استهلها بالقسم وأنهاها بالعبارات الثابتة

) والله لا استأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم )

نعم إنه الآن كعب بن مالك الذى يجب أن يظهر كقدوة أمام الجماعة المسلمة وأن يتحاشى حتى مواضع الظن .. عند قائده .. وأن يظهر أمام قائده بأحسن مما يتمناه فيه .. ومنه .. والآن .. اتزنت النفس التي كانت قد اهتزت .. وانتهت بالمرور بمنعطف الابتلاء وفهمت حكمته .. وأصبحت إجابتها سليمة البنيان .. قوية الأركان .. وعاد إليها السؤال الذى لم تسأله حينما تخلفت عن الغزو فى لحظة ضعف فلو قالت ساعتئذ ماذا يقول الرسول عنى ؟ لما فعلت؟ .. فبعد أربعين ليلة .. أصبح لكعب نفس تتوق إلى نظرة القائد واحترام الجماعة وهى نظرة تساعد الجندى على تحمل الأعباء وحمل التكاليف .

وقد علم أيضا ان الجماعة لا يعوضه عنها أموال الدنيا .. وان الإنسان قد يحيا بلا مال ولكنه أبدا لن يحيا بلا جماعة مسلمة ..تحميه من الهلاك .. وتعينه على الاستقامة..

فبعد أربعين ليله .. تجلت الحقائق أمامه .. فاستمر فى وحدته يصلى الفجر على سطح البيت ويعد طعامه لنفسه ولا يجد سميرا يستمع منه وإليه ..

إلا أن هذا النجاح ما كانت نتيجته لتتأخر وما كان إعلانه ليتأخر كذلك .. فبعد عشر ليال من إجابته الأخيرة وصلت نفسه إلى درجة الخلاص .. فضاقت عليه نفسه وضاقت عليه الأرض بما رحبت .. إنها الذروة إذن وحينئذ أعلنت نتيجة الامتحان .. وإن جاءت بعد خمسين ليله ..فى آيات خالدة ..

(لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه فى ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم* وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم ) 118،117 سورة التوبة

إلا ان إعلان النجاح لصاحب اليوميات وأصحابه كان مميزا ، فالآية التي تحمل رقم مائه وسبعه عشر أعلنت التوبة على الجميع .. أما الثلاثة أصحاب الاختبار .. وكان منهم صاحب اليوميات فقد تحدثت عنهم الآية رقم مائه وثمانيه عشر .. فهى إذن خصوصية لها معناها وهى وإن كانت بدأت بحرف من حروف العطف .. فلم تكن تقرأ إلا ومعها سابقتها ومع ذلك فقد خصصت لهؤلاء الثلاثة حال كونها إعلان النتيجة .. والمكافأة .. والتكريم .. الخاص .. وعلى المستوى الشخصي .. كان من المتصور لهذه التربية أن تعيد الصفات الأصلية لصاحب اليوميات .. إلا أن الأمر قد تعدى ذلك بكثير .. إن الصحابى الجليل قد وصل إلى درجة رفض كل ما يمكن أن يباعد بينه وبين الجماعة المسلمة .. وأصبحت نفسيته فى حالة رفض كامل لمتاع الدنيا ذلك أنها لم تعد فى قلبه - أى الدنيا .. وهولا يريد منها أيضا أن تصبح فى يده .. نعم لقد اتجه الصحابى الجليل إلى أقصى الجهة المقابلة إذ يقول

( يا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله )

ويأتي دور الضبط النهائي لتلك النفسية الرائعة .. وبمعنى أدق : أراد المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يضع اللمسات الأخيرة لآثار تلك المرحلة التربوية الدقيقة .. فنحن ندور داخل قواعد ثابتة لا ينبغي الابتعاد عنها لاسيما إذا كان الابتعاد بسبب الموقف الانفعالي للنفس الانسانية ..

ومن هنا فإن المصطفى صلى الله عليه وسلم قد رد الأمور إلى وسطيتها بقوله لصاحب اليوميات: ) أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك )

أي خير لك أن تكون وسطى النزعة .. وأن تمسك أنت بدفة نفسك وقيادتها وبهذا وجه المصطفى صلى الله عليه وسلم الصحابى الجليل إلى آخر خطوة خير يخطوها ، فإمساك بعض المال يكون فيه الخير له .. فمن المفهوم والحال كذلك أن إمساك بعض المال ليس هو المقصود من عبارة المصطفى .. وإنما المقصود أن نفس كعب قد أصبحت فى حالتها الأولى وأفضل .. فعليها أن تتصرف كما كانت .. فلا مبالغة ولا معاقبة للنفس..وإنما عودة إلى ملكيه المال فى اليد وإلى إنفاق فى صالح المسلمين .. وإلى تدريب النفس على التجارة والعمل والكسب وإطعام الأولاد من رزق حلال والإنفاق فى سبيل الله والصدقة .. كل ذلك فى وعاء واحد يملك المال ولا يملكه المال .. ويكون فيه المال خادما لنا لا مخدوما علينا ..

ولم تكن تلك الحالة المفرطة من التخلي عن المال هو الأثر الإيجابي الأول للإعداد والتربية لاسيما بعد ان قام المصطفى بضبطها .. إلا أن الأثر الأكبر .. كان فيما أوهب الصحابى نفسه له .. وكان من الجديد والمؤثر أن يهب إنسان نفسه للصدق أبدا .. فكثير من الناس يهبون أنفسهم لخدمة قيمه من القيم او لخدمة أهداف اجتماعيه .. ولكن من الجديد والجميل فى آن واحد أن يهب إنسان نفسه لصفه من الصفات .. هى خير الصفات ..

) وقلت : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. إن الله إنما نجاني بالصدق وإن من توبتي ألا أتحدث إلا صدقا ما بقيت )

لحظة صدق واحدة عدها الصحابى أفضل شئ فى حياته بعد إسلامه لله ولو ترتب عليها كل هذه المعاناة ولكنها كانت سبب خير لا ينتهي مداه ..

ومن هنا فإن صاحب اليوميات قد أوفى بعهده مع الله .. كما شهد الناس بذلك س) فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله فى صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلانى .. ما شهدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذبا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت )

وهكذا

انتهت يوميات الصحابى الجليل كعب بن مالك وهو يروى قصته مع الابتلاء .. ابتلاء بوسوسة الشيطان .. ثم ابتلاء بالعلاج وصعوبته ، ثم بمرحلة طويلة من مراحل التربية النفسية قادها قائد حكيم وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم صلى الله عليه وسلم ..

وانتهت معركة الابتلاء بنجاح باهر .. حظي فيه الصحابى بالتوبة .. وهى أهم المكافآت وأغلاها .. وحظى بإعادة نفسه إلى ما كانت عليه قبل المحنه بل لعله ارتفع قدرا عما سبق .. ثم حظي بعهد مع الله ألا يقول إلا صدقا .. وقد أوفى بعهده .. فحظى بجزاء من أوفى بعهده مع الله .. ثم هو فى النهاية قد حظي وأصحابه بمرتبة الخلود مع آيات القرآن فأصبحت التوبة قرآنا يتلى إلى قيام الساعة ..

رضى الله عن صحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم

أعلى

العودة ::: الرئيسية
 

 

Ahmed Kamal Graphics for Web and Graphics Designing