ملف كامل عن مقتل عبد الحارث مدني

منزل الإمام حسن البنا

 

إستجواب وزير الداخلية

 

 

 

 

 

عدد زيارات الموقع :

عدد زيارات الصفحات :

رشحنا فى :

الخيمة العربية

موقع شبوه

المواقع الدعوية

دليل الموقع العربية

 

 

 

أضف للمفضلة

الصفحة الرئيسية

اطبع هذه الصفحة

يوميات صحابي في محنه : الجزء الأول من كتاب

دراسة تحليلية .. لحديث وحادثة الصحابىالجليل

(كعب بن مالك )

مختار نوح

سجن ملحق طره 2001

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة

من صاحب العلم و الفضل..
الدكتور .. محمد بديع سامي

أخي قارئ هذا الكتاب .. أدر مؤشر جهاز استقبالك القلبي دون تشويش خارجي حتى تستقبل صوت كعب ابن مالك رضى الله عنه وهو يحكى لك قصته وأنت فى حاله صفاء نفسي على نفس الموجه التي حدثت فيها أحداث القصة وهى نفس الموجه التي كتب بها الأخ مختار (رجل القانون الذي يحمل قلم وألم شاعر) هذا الكتاب أو بالحرى التجربة البشرية الراقية .

واجعل يا أخي القارئ هذا دائما حالك النفسي في تلقى أحداث السيرة ومواقف الصحابة الذين قال عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :

( لو انفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصفه )

حتى في أخطائهم وتوبتهم من هذه الأخطاء .

بل جهز قلبك بنفس التهيئة لاستقبال آيات القرآن الكريم فكما يقول صاحب ظلال القرآن الوارفة الأستاذ سيد قطب رحمه الله :

( إن هذا القرآن نزل فى جو ساخن ولايفهم إلا في مثل الجو الساخن الذي نزل فيه )

فالقرآن الذي نزل به الروح الأمين جبريل عليه السلام على قلب الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم يحتاج أن نستقبله بقلوبنا نحن أيضا ليكون الرسول قدوتنا بحق في تجربة هذا الكتاب وهو محاولة من الكاتب لسماع آيات من سورة التوبة بإذنين في قلبه لا أذنين في رأسه فجرب أنت أيضا يا أخي القارئ هذه التجربة لعل الله ان ينفعنا وإياك وكاتب هذا الكتاب بالقرآن الكريم والسيرة المطهرة وحياة الصحابة.

رضى الله عليهم وجمعنا بهم في أعلى عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين برحمته وهو أرحم الراحمين .

راجي عفو ربه

د .محمد بديع سامي

مقدمة
حـول منهـجية الكــتاب
ولماذا هذا الصحابي ؟

لم يكن من الموضوعات المتدارسة بين الناس الاهتمام بالحالة النفسية للإنسان أو مراعاة البعد النفسى في الأعمال المادية للإنسان حتى ظهر الإسلام في تلك الأرض المتحجرة .. الصفراء منذ ألف وخمسمائة عام تقريبا .. فاهتم بالنفس البشرية لا من حيث التوجيه فحسب .. وإنما من حيث المعالجة .. فعالجت أحكامه النفوس قبل أن تخاطبها و الأمثلة على ذلك أكثر من الحصر و أوفر من العد ..

ولعل منها تلك المعالجة النفسية لشاب جامح النفس .. يعانى من زيادة الطاقة الجنسية لديه ولم يجد حلا لنفسه إلا أن يلتمس من الرسول صلى الله عليه وسلم الإذن له بالزنا .. وقد فهم الصحابة وهم يتعلمون من نبيهم أن الشاب يريد ان يرتكب فعلا محرما .. فهموا به .. أما الرسول عليه الصلاة والسلام فقد علم أن الشاب يريد الحلال كما شرع في الإسلام .. خالصا لوجه الله بدليل طلبه الإذن بالفعل .. فالإذن يعنى الالتزام بالأمر .. وما كان من المصطفى صلى الله عليه وسلم ألا أنه فهم الأمر من خلال الأبعاد النفسية للفتى كما فهم أنه صراع الغريزة داخل الفتى يطالبه بذلك فهو قد يرغب في الزنا للحصول على مغنم نفسي يلح عليه ويصارعه .. أو ربما يكون خلف الإذن عاطفة جامحة لامرأة .. أو رغبة في الاقتران بفتاة رغم أنف عشيرتها أو وليها ..

على اّية حال فالفتى أمام رغبه حالت دون تحقيقها الظروف .. وإلا كان قد حققه بالزواج المباح وهذا هو تحديد رسولنا صلى الله عليه وسلم لطبيعة المشكلة النفسية التي يواجهها الفتى .. ومن أجل ذلك كانت المعالجة تتم في ذات الإطار النفسى .. وبعيدا من مجرد تبيان الحكم الشرعي فسأله صلى الله عليه وسلم أترضاه لأمك؟ .. قال لا ..قال كذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم .. ثم قال أترضاه لزوجك؟ ..قال لا .. قال كذلك الناس لا يرضونه لزوجاتهم .

ولابد أن هذه الاستــثارات النفســية قد خلقت فى نفس الفتى المسـلم نـوعا من أنواع التعادل الداخلي ..

فغريزة ثائرة .. لا تخمدها إلا مشاعر نفسية أقوى منها أو تعادلها ..

هكذا أثار المصطفى صلى الله عليه وسلم الغيرة الفطرية في نفس الفتي .. ليحدث التعادل مع غريزة أخرى.. بل لقد اثار التساؤلات داخله ..

فالإذن له يعني في مضمونة الإذن لغيره .. وإذا تعلق الأمر بالفتى اليوم مع زوجة أو أم أو أخت لغيره ، فقد يتعلق غدا للغير مع أم الفتي وأخته وزوجه .. إذاُ فردّ المصطفى لم يكن فى بيان الحكم الشرعي وهو ما فعله (صلى الله عليه وسلم) .. ولكن المنطقي والصحيح هو معالجة النفس التي يجب أن تـتلقى الحكم الشرعي .. فدرجة الإيمان هى الدرجة التي تصل اليها النفس الإنسانيةعند منطقة التوحد بين الحكم الشرعي وبين الرغبة النفسية وهو كمال الاتساق والانسجام النفسى.

( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ) (1)

وكان ذلك نهج الإسلام حينما سار التنزيل على نهج التدرج فى التشريع كوسيلة من وسائل معاملة الحائط النفسي الصلد والمكون من التقاليد الموروثة والعادات المذمومة .. ومن رحمة الله بنا أن ينقل التاريخ إلينا واقعا إسلاميا .. كاملا عاشت فيه الأحكام الشرعية حياه كاملة .. فبين لنا كيف ولدت الأحكام فى رحم يرفضها وفى مجتمع يأباها ويحاربها ثم كيف عالج هذا المنهج تلك القلوب الصخرية فحولها إلى قلوب ألين من الماء تستجيب لحكم الله وتنفذه - وهى تحب ذلك - فى معالجة نفسية فريدة .

إذا فهذا هو النموذج الذى يجب أن نقيس عليه الأمور .. فكما أمكن تطبيقه فى ذلك الواقع يكون فى الأزمان التالية لزمن الدعوة الأولى أو فى الأجيال التالية له .. أكثر يسرا .. وأكثر سهوله ..

إلا أٍن هذا الواقع النموذج لم ينقل إلينا الصحيح من الأمر فقط أو كيف يعيش هذا الصحيح بين الناس حتى يرحب الناس به .

إنما هو نموذج يبين لنا أيضا كيف يقع الخطأ بين الناس ..

وما هى الطريقة التي ينبغي أن يستقبل بها المجتمع هذا الخطأ ..

فنموذج مجتمع النبوة .. ليس نموذجا محصورا فى بيان قبول الناس للأحكام الشرعية بل هو نموذج أيضا لبيان خطأ الناس فى استقبالها للخطأ .. فالمجتمع الصحيح .. هو المجتمع الذى يخطئ بصورة صحيحة .. ثم يعالج الخطأ بطريقة صحيحة ..

الحديث رواه : عن أبى محمد عبد الله بن عمروبن العاص رضى الله عنه وهو حديث حسن صحيح رواه النووى فى كتاب الحجه بأسناداً صحيح

فالصورة الصحيحة للخطأ هى النموذج الذى يجب ان نتدارسه باعتبار أن الخطأ هو أصل من أصول التكوين الإنساني .. ( كل ابن أدم خطاء ) (2)

فليس من الغريب أذن أن يخطئ واحد من الناس ولكن المهم أن يخطئ بصورة صحيحة .. وعلى المجتمع أيضا أن يتعامل مع وجود الخطأ .. وأن يتقبله كمظهر طبيعي جدا من مظاهر البشرية .. وعلامة على صحة بشريتها ..

وفارق كبير بين رفض الخطأ وبين رفض تصور وجوده أو المبالغة فى ذلك الرفض مما يوحي إلى المخطئ بأن جريمته هى الوحيدة فى هذا العالم ..

فالنموذج الإسلامي الذى نقل إلينا فى كتب السيرة يعلمنا الفارق الأساسى بين رفض المجتمع للخطأ .. وبين رفض المجتمع للمخطئ .. وكذلك بين التعامل مع الخطأ .. كمظهر طبيعي ودليل كوني على بشرية الفاعل أو بين التعامل معه .. على إنه أمر مستغرب ، عجيب أن نراه على كوكبنا ..

ومن أجل ذلك كان ينبغي دراسة يوميات أحد الصحابة وهو يكتب فيها عن محنته وكيف بدأت وكيف انتهت .. وما هو موقف الجماعة المسلمة منه .. لنخلص من ذلك كله إلى نموذج المجتمع الذى يتعامل بصورة صحيحة مع أحد أفراده - وقد أخطأ - بصورة صحيحة .. ونبين أيضا سلبيات التجربة بما يبصر القادة والمجتمعات إلى الأسلوب الأمثل فى التعامل مع خطأ الفرد..

.. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت .. وما توفيقي إلا بالله..

عليه توكلت واليه انيب.. ( سورة هود الآيه 88)

الحديث رواه : أخرجه أحمد والترمذى وابن ماجه والحاكم

الباب الأول
)البيان العام للعناصر المؤثرة فى الحالة محل الدراسة )

ورد فى الصحاح ذلك الحديث الذي رواه كعب بن مالك رضي الله عنه فى صورة هى أشبه باليوميات والمذكرات الشخصية .. وهذه المذكرات تروي فى صدق ودقة وصف تلك الحالة النفسية التي مر بها واحد من الصحابة الأبرار .. إثر شعوره رضى الله عنه باللوم الذاتي على خطأ قد ارتكبه فى حق الله وفى حق رسوله صلى الله عليه وسلم بأن تخلف عن غزوه غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

وإذا كنا سنتناول بالبحث أطراف هذه الحادثة وأفرادها فإن ذلك لن يكون إلا من خلال إلقاء الضوء على عناصرها .. الفرد والجماعة والقائد .

فالفرد وهو كعب بن مالك .. أحد أبناء هذه الأمة ومن النفر الذي بايع المصطفى صلى الله عليه وسلم فى أيام الدعوة الأولى إذ تعثر لحظة فيتخلف عن غزوة .. فيأبى إلا أن يلوم نفسه ويقبل بقضاء الله فى محنة طويلة سجلها بنفسه على نفسه .

وأما الجماعة فقد تباينت مواقفها أمام هذه التجربة .. وأمام هذا الخطأ ..بل إن الجماعة شكلت طوق الإنقاذ النفسي لهذا الصحابي .. وان كادت أن تشكل عكس ذلك فى أوقات أخرى .

وأما القائد فهو المصطفى صلى الله عليه وسلم .. وكان من رحمة الله بنا ان نشاهد آثار رقته ورحمته بالمؤمنين على أكتاف تجربة كتلك التي مر بها كعب بن مالك ومن هنا فإننا سنتحدث عن تلك العناصر والمؤثرات الثلاثة فى إشارة إلى أنها أثرت على مجريات الأمور وشاركت فى تكوينها .

فالفــرد هو المؤثر الأول باعتباره محل الحدث وبطل الرواية وأحداثها

والمجتمع هو المؤثر الثاني باعتباره الواقع المحيط بالفرد

أما القائد فهو المؤثر الثالث باعتباره القائد والمربي الرؤوف الرحيم صلي الله عليه وسلم

وتخلص مؤثرات هذه الحالة .. فى عناصر ثلاثة ..

العنصر الأول .. ويدور حول الشخصية التي مرت بها الأحداث وكيفية استقبالها للمحنة وهو نموذج المخطئ

العنصر الثاني .. استقبال المجتمع للخطأ وأثره على نفسية المخطئ ، أي نموذج الجماعة

العنصر الثالث .. تعامل القيادة مع الخطأ والمخطئ ، وهو نموذج القيادة

والمؤثرات الثلاثة .. قد ساهمت بصورة أو بأخرى ..إيجابا او سلبا فى الحالة النفسية لصاحب المحنة.. وفى وقت المحنة ..

فأثر الخطأ على النفس الانسانية وهو العنصر الأول .. يتحدد بحجم وطبيعة هذه النفس وليس معنى هذا هونسبية الخطأ .. وإنما يعنى نسبية تأثر النفس بالخطأ ونظرتها إليه .. فقد ورد فى الأثر عن

( أنس رضى الله عنه قال )

(إنكم تفعلون أفعالا ترونها فى أعينكم أدق من الشعرة ، كنا نراها على عهد الرسول صلى الله علية وسلم – من الموبقات المهلكات)

ولكي نوضح الأمر علينا أن نتعرض لخطورة إغفال هذا العنصر .. فالنفس اللوامة تكون عادة قد حملت نفسها من الندم الكثير بدافع من طبيعتها الصحيحة .. وبالقدر الكافي لاستشعارها بالإثم .. ومن ثم فقد ينحصر دور المجتمع عند هذه الحدود .. فيبتعد عن محاولة إيقاظ اللوم فى النفس .. والذي يكون فى حقيقته .. أي اللوم ..فى حالة استيقاظ شديد .. ويكون من أمر زيادة هذه الجرعة أو المبالغة فى إيقاظ اللوم .. ردة عكسية قد تضر .. ولا تفيد .. ومن هنا كان ينبغي دراسة طبيعة نفسية الممتحن .. فهى مؤثر أول .

أما المؤثر الثاني ..وهو نموذج الجماعه.. فيتكامل فى أهميته مع المؤثر الثالث- وهو نموذج القائد .. فإما أن تتضامن مع قدراته وتسير على خطواته – ونهجه – وإما أن تتضارب معه فيغيب التقييم الصحيح للخطأ .. بل وتقع الجماعة فى أخطاء أشد جسامة .. وجرائم أكثر فداحة ..

من أجل ذلك لم يعتمد الإسلام فى نهجه إلا جهة واحدة لتقضي بين المتخاصمين فيسمعون لحكمها ويلتزمون بها .. وهى القضاء

أما المجتمع الذى يجعل من نفسه قاضيا فهو أسوأ أنواع المجتمعات تخلفا .. لذلك يأمرهم الإسلام باجتناب الظن ويطالبهم بالتبين .. كما نهي الناس حتى عن الحكم على الآخرين تزكية أو لوما ...

وينحصر دور المجتمع فى الإسلام فى أمر الإصلاح العام .. والقيام بالدور التكميلي مع القيادة .. فهو نموذج القيادة .. ونموذج القيادة فى قصتـنا هو المصطفى صلى الله عليه وسلم – والذي من كمال شريعته أن يظهر النـقص معاصراً لحياته صلى الله عليه وسلم وأن يظهر الخطأ بين أفراده ، ذلك لكي يترك لنا ضمن ما تركه صلى الله عليه وسلم .. صحيح التعامل مع الخطأ ..

تلك النظرة العلاجية التي لن يفلح أثرها إلا إذا قام بها قلب مشفق على الرعية .. يحبهم ويحبونه .. وهو نموذج القائد ..

فنظريات الإصلاح الاجتماعية الحالية ربما لن تهتدي إلى أسباب قصورها إلا أن تهتم أكثر بشخص العاملين على تطبيق هذه النظريات ..

الخلاصة إذن – أن عناصر التأثير الثلاثة التي يجب بحثها عند معالجة أي خطأ

نموذج الممتحن - المخطـئ –

نموذج المجتمع - الجمـاعة –

نموذج القيادة - القــائد -

نص الحديث

اخرج البخارى عن كعب بن مالك رضى الله عنه قال :- لم أتخلّف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة غزاها إلا فى غزوة تبوك ، غير أنى كنت تخلّفت فى غزوة بدر ولم يعاتب عنها ؛ أنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم و بين عدوّهم على غير ميعاد . ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة(1) حين تواثقنا(1) على الإسلام ، وما أحبّ أن لى بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر فى الناس منها.

كان من خبرى : انى لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه فى تلك الغزوة ، والله ‍‍‍ما اجتمعت عندى قبله راحلتان قط حتى جمعتهما فى تلك الغزوة ؛ ولم يكن رسول الله يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حرّ شديد واستقبل سفراً بعيداً ومفازا ً(2) وعدُوّاً (3) كثيرُُ.

فجلى (4) للمسلمين أمرهم ليتأهبوا(5) أهبة (6) غزوهم ، فأخبرهم بوجهه الذى يريد ؛ والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرُ ولا يجمعهم كتاب حافظ – يريد الديوان .

قال كعب : فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظنّ ان سيخفى(7) له ما لم ينزل فيه وحى الله ، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال ، وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه . فطفقت أغدو لكى أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئاً ، فأقول فى نفسى : أنا قادر عليه فلم يزل يتمادى بى حتى اشتد بالناس الجد . فأصبح رسول الله والمسلمون معه ، ولم أقض من جهازى (8) شيئاً فقلت : أتجهز بعد يوم أو يومين ، ثم ألحقهم ، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز . فرجعت ولم أقض شيئاً ، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئاً ، فلم يزل بى حتى أسرعوا وتفارط (9) الغزو، وهممتُ أن أرتحل فأدركهم ، وليتنى فعلت – فلم يقدر لى ذلك . فكنت إذا خرجت فى الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم ، أحزننى أنى لا أرى إلا رجلاً مغموضاً(1.)عليه النفاق ، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء ، ولم يذكرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك . فقال – وهو جالس فى القوم بتبوك :- ما فعل كعب ؟ فقال رجل من بنى سلمة : يا رسول الله ! حبسه بٌراده و نظره فى عطيفه . فقال معاذ بن جبل : بئس ما قلت ، والله يا رسول الله ! ما علمنا عليه إلا خيراً ، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال كعب بن مالك :- فلما بلغنى أنه توجه قافلا حضرنى همى ، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا ؟ واستعنت على ذلك بكل ذى رأى من أهلى . فلما قيل : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اظل قادماً زاح عنى الباطل ، وعرفت أنى لن أخرج منه أبداً بشىء فيه كذب ، فأجمعت صدقه ، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً : فكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد

(1-1)من البخارى

وفى البداية : حتى تواثبنا.

(2،3) من البخارى

وفى البداية : عدداً وعداداً .

(4) كشف و أظهر . (5) ليتهيأوا . (6) العدة .

(7) من البخارى

وفى البداية : يستخفى .

(8) ما يحتاج إليه الغازى فى غزوه والمسافر فى سفره (9) أى فات وقته (1.) أى مطعوناً فى دينه ، متهماً بالنفاق.

فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس . فلما جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له و كانوا بضعة و ثمانين رجلاً . فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم ، وبايعهم واستغفر لهم ، ووكّل سرائرهم إلى الله عزّ وجلّ . فجئته : فلما سلّمت عليه تبسم تبسم المُغْضب ، ثم قال : تعال . فجئت أمشى حتى جلست بين يديه . فقال لى : ما خلّفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ فقلت : بلى ، إنى – والله ! – لوجلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أعطيت جدلاً (11) ، ولكنى والله ! لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنى ، ليوشكن ّ الله أن يسخطك علىّ ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد (12) علىّ فيه ، إنى لأرجو فيه عفو الله .

لا والله ! ما كان لى من عذر ، و والله ! ما كنت قط أقوى ولا أيسر منى حين تخلّفت عنك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضى الله فيك . فقمت ، وسار رجال من بنى سلمة فاتبعونى فقالوا لى : والله ! ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلّفون ، وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه لك . فو الله ! ما زالوا يؤنّبوننى (13) حتى هممت أن أرجع فأكذب نفسى ، ثم قلت لهم : هل لقى هذا معى أحد ؟ قالوا : نعم ، رجلان . قالا مثل ما قلت ، وقيل لهم : مثل ما قيل لك . فقلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمرى ، وهلال ابن أمية الواقفى ، فذكروا لى رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة ، فمضيت حين ذكروهما . ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلّف ، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت فى نفسى الأرض ، فما هى التى أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة ، فأما صاحباى فاستكانا (14) وقعدا فى بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم ، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين ، وأطوف فى الأسواق و لا يكلمنى أحد . وآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو فى مجلسه بعد الصلاة ، وأقول فى نفسى : هل حرك شفتيه برد السلام علىّ أم لا ؟ ثم أصلى قريباً منه فأسارقه (15) النظر ، فإذا أقبلت على صلاتى أقبل إلى ّ ، وإذا إلتفت نحوه أعرض عنى ، حتى إذا طال علىّ ذلك من جفوة (16) الناس مشيت حتى تسورت جدار أبى قتادة وهو ابن عمى وأحبّ الناس إلىّ فسلمت عليه ، فو الله ! ما رد علىّ السلام ، فقلت : يا أبا قتادة ! أنشدك بالله !هل تعلمنى أحب الله ورسوله ؟ فسكت . فعدت له فنشدته ، فسكت : فعدت له فنشدته . فقال : الله ورسوله أعلم . ففاضت عيناى وتولّيت حتى تسورت(17) الجدار . قال : وبينا أنا أمشى بسوق المدينة إذا نبطىّ من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدلّنى على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءنى ، دفع إلى كتاباً من ملك غسان فى سرقة (18) من حرير ، فإذا فيه

(11) مقابلة الحجة بالحجة. (12) تغضب على . (13 ) يلوموننى . (14) خضعاً وذلا (15)أى انظرإليه أختلاساً بحيث لا يشعر. (16) الغلظ فى المعاشرة. (17) صعدت عليه (18) قطعه من جيد الحرير

"أما بعد ! فأنه قد بلغنى أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضَيعة ، فالحق بنا نواسيك "

فقلت لما قرأتها : وهذا أيضاً من البلاء ، فتيممت (19) بها التنور فسجرته (2.) بها . فأقمنا على ذلك حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين ،إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتينى فقال : إن رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك .فقلت أطلّقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا بل اعتزلها ولا تقربها ، وأرسل إلى صاحبىّ بمثل ذلك فقلت لامرأتى : الحقى بأهلك فكونىعندهم حتى يقضى الله فى هذا الأمر.

قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية إلى رسول الله فقالت : يارسول الله ! إن هلال بن أمية شيخ ضائع ، ليس له خادم ، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : لا ، ولكن لا يقربك . قالت : إنه و الله ! ما به حركة إلى شىء و الله ! ما زال يبكى منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا فقال لى بعض أهلى : لو أستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى امرأتك كما استأذن هلال بن أمية أن تخدمه . فقلت : والله ! لا استأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها ، وأنا رجل شاب ؟ قال : فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا . فلما صليت الفجر صُبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا – فبينا أنا جالس على الحال التى ذكر الله عزّ و جلّ قد ضاقت علىّ نفسى وضاقت على ّ الأرض بما رحبت – سمعت صوت صارخ أوفى (21) على جبل سلع يقول بأعلى صوته : ياكعب ! أبشر ! فخررت (22) ساجداً ، وعرفت أن قد جاء فرج ، وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر . فذهب الناس يبشّروننا ، وذهب قبل صاحبىّ مبشرون ، وركض رجل إلىّ فرسا ، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس . فلما جاءنى الذى سمعت صوته يبشرنى نزعت له ثوبىّ فكسوته إياهما ببشراه ، و والله ! ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما ، وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقانى الناس فوجاً فوجاً يهنّئونى يقولون بالتوبة : ليهنك توبة الله عليك . قال كعب : حتى دخلت المسجد فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ، حوله الناس ، فقام إلىّ طلحة بن عبيد الله رضى الله عنه يهرول (23) حتى صافحنى وهنّأنى ، والله ! ما قام إلىّ رجل من المهاجرين غيره ، ولا أنساها لطلحة . قال كعب : فلما سلّمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو يبرق وجهه من السرور-: أبشر بخير يوم مرّعليك منذ ولدتك امك! قال فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال : لا ، بل من عند الله . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سرّاستنار(24) وجهه حتى كأنه قطعة قمر : وكنا نعرف ذلك منه .فلما جلست بين يديه قلت:يا رسول الله – صلى الله عليه وسلم -! إن من توبتى ان أنخلع من مالى صدقة إلى الله وإلى رسول الله . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك . فقلت : فإنى أمسك سهمى الذى بخيبر ، وقلت يا رسول الله – صلى الله عليه

( 19) فقصدت (2.)أدخلتها فى التنور (21) اشرف . (22) فسقطت . (23) يسرع فى مشيه . (24) أضاء .

وسلم - !أن الله إنما نّجانى بالصدق ، وإن من توبتى ، ألا أتحدث إلا صدقاً ما بقيت ، فو الله ! ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله فى صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلانى ، وما شهدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومى هذا كذباً ، وإنى لأرجو أن يحفظنى الله فيما بقيت . وأنزل الله على الرسول صلى الله عليه وسلم :

" لقد تاب الله على النبىّ و المهاجرين و الأنصار – إلى قوله – وكونوا مع الصادقين "

فو الله ! ما أنعم الله علىّ من نعمه قط بعد أن هدانى للإسلام أعظم فى نفسى من صدقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا : فان الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحى شرّ ما قال لأحد ، قال الله تعالى " سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم – إلى قوله – فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين " . قال كعب وكنا تخلّفنا أيها الثلاثة عن أمر اولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له فبايعهم و استغفر لهم و أرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه . فبذلك قال الله تعالى " وعلى الثلثة الذين خلّفوا " ليس ذكر الله مما خلفنا من الغزو وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له ، واعتذر إليه ، فقبل منهم. (*)


(*)وهكذا رواه مسلم وابن أسحاق . ورواه الأمام أحمد بزيادات يسيرة- فى البداية (ج 5 ص 23) .وأخرجه أيضاً ابو داود ، والنسائى بنحوه مفرقاً مختصراً ، روىالترمذى قطعة من أوله ، ثم قال : وذكر الحديث – كذا فى الترغيب (ج4 ص366 )، وأخرجه البيهقى (ج4 ص33 ) بطوله.

الباب الأول
الفصل الأول
نموذج المخطئ ( الفرد)

والممتحَن .. هو الذى يمر بمحنة .. أو دائرة ضيقه يسعى للخلاص منها والمعنى يشير إلى الاختبار .. بصورة أقرب ..

وصعوبة البلاء تأتى بقدر حساسية النفوس ومن هنا كان لزاما علينا قبل أن نتعرض للرواية وألفاظها أن نتعرض إلى بطلها وصاحبها أولاً وقبل كل شئ .. بالدراسة النفسية الشاملة لهذه الشخصية .

وإذا كانت القصة تتلخص فى حدث وحيد وهو تخلف "كعب بن مالك " رضي الله عنه عن غزوة تبوك .. إلا أن هذا الحدث ما كان ليأخذ حقه فى الرواية والتحليل والنقل والاهتمام التاريخي لولا الاعتبار الشخصي المتمثل فى صاحب الرواية وبطل الأحداث وهو شخص كعب بن مالك .

فتبوك لم تكن الغزوة الوحيدة التي تخلف عنها نفر من المسلمين .. ولم يكن كعب بن مالك هو المتخلف الوحيد عن غزوة تبوك – كذلك ..

الا أن ماهية الشخص تضفي بظلالها على الحدث – كما أن أثر الحدث على النفس يختلف من إنسان إلى آخر ..

ومن هنا فإن كعب بن مالك .. هو الصحابي الذي بايع الرسول صلى الله عليه وسلم فى ليلة العقبة وهو من الذين حملوا الدعوة الإسلامية فى مهدها وهو من هو ..وكان لهذا الاعتبار الشخصي .. والمتمثل فى شخصية كعب بن مالك أثره الكبير فى نشأة محنته النفسية بهذا القدر من الجسامة ..

فخطأ الرموز الإسلامية والعلامات البارزة على طريق الدعوة ليس كخطإ العوام من المسلمين – فالقيادة عند الناس قد تكون وجاهة وعصمة وحصانة وفقا لمعايير الأرض البشرية .. أما القيادة فى الإسلام فهي تضيف مزيدا من الابتلاء .. ومزيدا من العناء ومزيدا من الإعداد ..فهذا ربنا تبارك وتعالى يخاطب نساء النبى صلى الله عليه وسلم :

( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذى فى قلبه مرض وقلن قولا معروفا ) الآية 32 من سورة الأحزاب

كما أنك تجد أن قيام الليل واجب على النبي صلى الله عليه وسلم .. نافلة للمسلمين

( يا أيها المزمل .. قم الليل إلا قليلا ) الآية 2،1 من سورة المزمل

( يـا أيـها المدثـر .. قم فـأنذر ) الآية 1،2 من سورة المدثر

وكذلك تحريم النساء على النبي بمقتضى الآية : -

(لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شئ رقيبا) سورة الأحزاب الآية 52

ومن هنا فإن الاعتبار الشخصي سيطل علينا برأسه فى بيان النقاط التالية والتي سنقصرها على النظرة داخل النفس – عملا بمنهج البحث وهي :-

اولا - الحب الذي يكنه كعب بن مالك لرسول الله صلي الله عليه وسلم والذي أضاف إلى رصيد الألم النفسى رصيداً مضاعفا .

ثانيا - مكانة الرجل بين أهله وموقعه فى الدعوة قد ضاعف من لوم النفس وآلامها

أولاً :- أثر حب القيادة على نفس كعب بن مالك.

لم يكن ما يعانيه كعب بن مالك إلا شعورا مركبا .. من الألم .. والحزن .. والندم .. والانكسار .. وقد أضاف إلى ما سبق ذلك الخط الوجداني البديع الذى يربط بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم مزيدا من عمق هذه المشاعر وقوتها...

ذلك الخط الوجداني المتصل هو المدرسة التي تعامل فيها القائد مع الجنود فتخرجوا منها مدركين أن الحب هو صانع الثقة .. وهو الطريق المؤدي إليها .

وقد جمع الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم فى صدورهم الحب – كل الحب – وكذلك جمع النبي صلى الله عليه وسلم لهم جميعا حبا فى قلبه .. جعله بهم رؤوفا رحيما حتى وصل الأمر إلى أن ما يقلق الصحابي فى حياته هو ما سيؤول إليه حاله بعد موته مع النبي صلى الله عليه وسلم قربا أو بعدا .

فهو كما يتصور لن يحشر مع النبي صلي الله عليه وسلم ولن يكون فى درجته – إلا أن النبي يقرأ ذلك فى قلب الصحابي ويطمئنه قائلا:

( يحشر المرء مع من احب )

هذا هو حب الصحابة للنبي .. وهو حب وصل إلى قمته .. ثم يتفاوت بعد القمة بينهم ..ويتجلى هذا الحب فى ألفاظ الرواية من وجهين .. فأما الوجه الأول فيكشفه ذلك الطغيان الشعورى الذي يجعل اسم النبى سابقا على الحدث وأما الوجه الثانى فهو روعة وشاعرية وصف المواقف المشتركة .

الوجه الأول – اسم النبى .. دائما .. قبل الحدث

وكعب بن مالك قد تخطى قمة الحب بدرجات عديدة ..ونلحظ ذلك من خلال عبارات يومياته ..وكيف يسبق اسم النبى أى حدث يرويه كعب فى رواياته ....

( لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة غزاها )

ويلحظ القارئ ما يسميه بعض علماء النفس " بالطغيان الشعوري " والذي يتجلى فى ألفاظ اليوميات ..وهى تفرض نفسها فى لغة الخطاب .. إذ يقول :

( لم أتخلف عن رسول الله )

فالتخلف كما بدا فى الألفاظ كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكون عن الغزوة بينما قد يكون للجملة تركيب أخر لم يذكره الصحابي .. ولم تذكره الرواية : كأن يقول : ( لم أتخلف عن غزوة غزاها رسول الله )

إن هذا التقديم لاسم الرسول هو ما يسمى ( بالطغيان الشعوري ) ، الذي يطرح نفسه على كلمات الإنسان عند التلقائية فتكون الكلمات انعكاسا لما يدور داخله من مشاعر فياضة أو طاغية – حتى حينما تتكرر العبارات وتبتعد الألفاظ بعضها عن بعض .. لا يختلف ترتيبها الوجداني أبدا وكأن الرباط العاطفي هو الحبل الذي يربط بين أطرافها جميعا فبعد أن حكى قليلا فى اليوميات الخالدة عاد إلى ذكر تخلفه عن الغزوة بذات الترتيب النفسى

( كان من خبري: أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه فى تلك الغزوة )

ومرة أخرى يظهر أثر ذلك الحب فى قوله حين تخلفت عنه .. وكأن أمر التخلف عن النبي يطل بجسامته مرادفا ومصاحبا وسابقا فى مفرداته عن التخلف عن الغزوة .. فالتخلف عن غزوة هو أمر مؤلم لأصحاب القلوب المؤمنة .. ولكن التخلف عن غزوة قائدها رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فإنه الألم عينه .. وعين الألم ..

أنظر معي أيضا إلى ذلك الطوفان الشعوري على ذات النسق السابق

( وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال )

ثم أنظر معي أيضا إلى تلك المنظومة اللفظية التي لا تختل ولا تختلف ويظهر فيها اسم القائد صلى الله عليه وسلم فى مقدمة الحدث .. أي حدث .

( وتجـهز رسول الله صلى الله عليه وسلـــم .. والمسلمون معه )

ثم ( فاصبح رسول الله .. والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا)

ثم ( فكنت إذا خرجت فى الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم ، أحزنني ألا أرى إلا رجلا مغموصا عليه فى النفاق)

ثم ( فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي وطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخطه غدا ؟ )

وكذلك ( فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل )

إذن فكل ما مر من ألفاظ كاشفة .. إنما هى تعبير صادق عن حالة الطوفان العاطفي .. يكتشفه الباحث من خلال التقديم والتأخير فى استخدام الألفاظ فاسم الرسول هو المقدم على الغزوة فى كل ألفاظ وتركيبات الرواية ..

الوجه الثانى .. روعة وشاعرية المواقف المشتركة

ولكن ثمة مباشرة فى التعبير .. تصل به إلى أسمى درجات صدق الانفعال الوجداني .. فأنظر معي إلى ذلك التفصيل المشحون بالشجن .. رغم أنه يتعرض لوصف موقف واقعي محدد .. وهو اللقاء مع الحبيب صلى الله عليه وسلم .. ولقاء الحبيب هو قمة الانفعال والعاطفة .. وهى عاطفة مؤرقه فى ذات الوقت إذا اشتملها الألم .. فتـنضح بها الألفاظ ويشهد بها الفكر .. ويعيش الإنسان معها أشد حالات الأرق .. ويظهر كل ذلك واضحا من خلال اللفظ البشري فى تلك اليوميات وهى تضيف على لسان صاحبها عند أول لقاء بعد استحكام الشعور الذاتي بالخطأ عند النفس البشرية .. مع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم .

( فجئته : فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال تعال .. فجئت أمشي حتى جلست بين يديه )

إن الألفاظ تنطق بالشجن والألم الشعوري الممزوج بالمحبة فى مزيج واحد يدلل عليه تفصيل الوصف واستخدام التعبيرات الرائعة ( كتبسم المغضب ) ( وجلست بين يديه ) .

وهذا المزيج الرائع يتضح فى التفصيل الوصفي .. فما كان يغني عنه لفظ واحد عبر عنه الصحابي الرقيق فى أكثر من عشرين كلمة واصفا حبيبه وهو يقول مثل:

( تبسم تبسم المغضب ) ( فجئت أمشي حتى جلست بين يديه )

إلا أن الإنسان ليعجب من هذه العاطفة الرائعة السامية .. ومن تلك الأنفس .. التي وصلت فى أمر محبتها لقائدها صلى الله عليه وسلم إلى هذه الدرجة العالية من الفيضان النفسي وانظر معي إلى هذا المشهد الرقيق لصاحب اليوميات وهو يقاوم الواقع ويذهب ليشهد الصلاة مع المسلمين وذلك لما يرمى إليه من مقاصد .. كان أقواها أن يشاهد حبيبه المصطفـى صـلى الله عـليه وسـلم ولم تكن تلك المشاهده .. كأي مشاهده .. ولكن تأمل معي فى هذا التعبير الرائع وهو يحكى عن رؤية حبيبه صلى الله عليه وسلم أثناء فترة صدور الأمر للناس بمقاطعة كعب بن مالك صاحب اليوميات :

(فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف فى الأسواق ولا يكلمني أحد وآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو فى مجلسه بعد الصلاة وأقول فى نفسي! ‍‍‍هـل حرك شفتيه برد السلام عليّ أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلى وإذا التفتُّ نحوه أعرض عني)

ولن يجد القارئ أروع ولا أسمى من هذه المشاعر فهاهما الحبيبان .. يخاطف كل منهما النظر إلى حبيبه خلسة ..

فالقائد الذى يربي ويمنع من أجل الإصلاح وينفطر قلبه لتأذى حبيبه كالوالد الحاني الذي يحتجز عن صغيره وحبيبه ضررا .. وينفطر قلبه لبكاء الصغير فى ذات الوقت .. عند تناول الدواء فكان الصحابي ينظر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أيضا وكان يعيش دوامة العذاب المستمر والتساؤل المضني لجوانب العاطفة سائلا نفسه عما إذا كان المصطفى صلى الله عليه وسلم قد حرك شفتيه برد السلام أم لا – وهل ينظر إليه أم لا..؟!

إنها اختلاجات الحب .. تلك التي تجعل الحبيبين يتخاطفان النظر كل منهما إلى حبيبه فتدفع الصحابي إلى أن يصلي قريبا من الحبيب المصطفى وينظر إليه اختلاسا دون أن يشعر النبي .. فلا ينظر إليه الحبيب المصطفى إلا بعد أن يدخل الصحابي فى صلاته .. فيبادله النبي صلى الله عليه وسلم حبا بحب .. وكأنه لا يريد أن يظهر له الوجد الشديد وإنما يريد أن يعطيه جرعات الدواء بشدة مفتعله..

ثم يتجلى أخيرا ذلك الجانب النفسي الرائع فى نهاية اليوميات .. حينما يمن الله على كعب بالتوبة .. وتأتيه البشارة .. فيذهب إلى حضن الحبيب ولا أعتقد أنه ذهب ليسأله ذلك السؤال الذي أوردة فى يومياته

( أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال لا : بل من عند الله )

وإنما كان ذهابه إلى النبي كما ينكشف جليا من عبارات اليوميات وألفاظها ليطفئ الصحابي نار الشوق التي اندلعت بين جوانبه واستمرت لخمسين ليله حتى كادت أن تقضى عليه ..

هذا الشوق الذى حمله للرسول صلى الله عليه وسلم والذي كان يحاول أن يهدىء من لهيبه .. بأن يذهب ليصلي بالقرب منه صلى الله عليه وسلم او أن يسارقه النظر او أن يلقي عليه السلام على أمل سماع صوته صلى الله عليه وسلم .. إلا أن شيئا من ذلك لم يسعفه إلى أن منّ الله عليه بالتوبة فسارع إلى النبي حتى ينقذ روحه بالنظر إلى الحبيب ويروى عطشه بالحديث إلى قائدة وحبيبه صلى الله عليه وسلم

وتظهر هذه العاطفة الجياشة عند اللقاء فى تلك الكلمـات التي سـطرها كاتب اليوميـات ( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُرّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر )

فهل رأيتم وصفا أجمل وأروع من ذلك الوصف لوجه الحبيب المصطفى عليه السلام .. نعم إنها لغة المتحابين ..ووصف المتحابين ..

وكانت المحبة هى التي عززت وصعبت من عنف الابتلاء على نفس النموذج الإسلامي الرائع .. كعب بن مالك ..

ثانيا – مكانة الرجل بين أهله فضلا عن سبقه فى الدعوى .. يضاعف من لوم النفس وآلامها.

لا تقاس الأخطاء بصورة مجردة عن واقعها على الأقل من حيث آثارها على النفس وطرق علاجها ، فالخطأ باعتباره هوسلوك إراديُُ يرتبط بنفس إنسانية هى التي ارتكبته عن وعى وإدراك.. كما أنه يرتبط بمحيط واقعي يجسم أو يقلل من حجمه حسب الأحوال .. فليس من المتصور أن تكون للأخطاء قوالب ثابتة لقياسها سواء من حيث جسامتها أو من حيث أثرها العام الاجتماعي ..

ولكن لقياس الخطإ وجه آخر يأتى عند النظر إلى أمر العلاج.. ذلك أن علم العقاب ..يقتضى دراسة النفس الإنسانية ..ومدى حاجتها إلى الردع أو الزجر ..

( كما يقول الشاعر : العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه المقالة ) ( أو تكفيه الإشارة)

ومن هنا .. فإن دراسة النموذج الإسلامي الرائع .. للصحابي كعب بن مالك.. هو دراسة لازمة لمعرفة أثر العقاب وحدوده.. وأسلوبه .. على النفس البشريةبحسب طبيعتها

ويتجلى ذلك فى كعب بن مالك وهو النموذج محل الدراسه فى ناحيتين:-

أولها – الألم من لوم الذات أو الندم

ثانيها – المبالغة فى الاعتراف بالخطأ

هذه هى أثار الذنب على النفس النموذجية السوية – ومن هنا يصح القول أن أثر الذنب على النفس السوية يختلف عن سواها وينبنى على ذلك أن نوعية العقاب يجب أن تختلف أيضا عن سواها وهو ما سندرسه فى الفصل الثالث .

1-الألم من لوم الذات أو الندم

وهذه المظاهر قد ارتبطت ارتباطا لا يقبل الفصل او القسمة .. فالألم الشديد هو الذى أدى إلى مزيد من عقاب الذات .. وكان أن قام على أكتاف ذلك.. المبالغة فى الاعتراف بالخطـإ ، فالاعتراف بالخطإ .. دائما يكون مصدره الشعور بالألم الذى يحدثه الخطأ داخل النفس الصحيحة ، و إنً دقة الاعتراف وحِدّته تأتى من خلال الشعور الشديد بالإثم وكلما ازداد ذلك الشعور كلما إزدادت الرغبة فى الاعتراف ، وهو ما جعل فقهاء القانون الجنائي يتجهون إلى الاعتراف كعنصر مخفف من عناصر العقاب .. ليس لكونه أسلوب كشف للجريمة فحسب ، وإنما لكونه أيضا هو التعبير عن حالة الاستواء داخل النفس البشرية .

ونفسية كعب بن مالك رضى الله عنه لم تكن تلك النفسية التي توصف بالسوية فحسب .. بل إنها هى نموذج الاعتدال وكماله ..

كما أن الشريعة قد علمت حاجة النفس السوية إلى الاعتراف .. وسعيها إليه .. فأحاطت الاعتراف بضمانات تقيه الإكراه أو الإجبار .. او حتى الإغراء بالاعتراف وكان صلى الله عليه وسلم يناقش المقر حول إقراره .. وحول ما دفعه إليه .. وعلى هذا المعنى تواترت الأحاديث .

إذن فكلما كانت الفطرة فى حال نقاء وسويه .. كلما كانت أقرب إلى الاعتراف بالخطإ وكلما كانت أشد تألما وكلما كانت أشد شعورا بالذنب أيضا..

والنفس التي على الفطرة السوية هى التي تخطئ والنفس التي على الفطرة السوية أيضا هى التي تلوم نفسها عند الخطإ – وتحاسبها.. فقد أقسم الله بيوم الحساب .. وبالنفس التي تحاسب صاحبها و تلومه :

( لا أقسم بيوم القيامة .. ولا أقسم بالنفس اللوامة) سورة القيامة رقم 2،1

وإذا كانت القيامة هى يوم الحساب والنفس اللوامة هى المحاسبة لنفسها .. فإن الأمر ليجسد عظمة النفس السوية عند ربها ..

ونفسية كعب كما سبق القول هى أكثر النفوس اتساقا مع الفطرة ..فكانت من أكثر النفوس لوما لنفسها ومن أكثر النفوس تألما لذنبها ومن أكثر النفوس اعترافا بخطئها فانظر معي إلى ألفاظه فى يومياته وهو يتحدث عن الألم :

(( فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا بينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل قد ضاقت على نفسي وضاقت على الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته يا كعب – أبشر فخررت ساجدا وعرفت أنه جاء فرج ))

وهذا تعبير دقيق يشهد به صاحب الحالة النفسية على أن القرآن وهو قول الله الحق قد وصف حالة كعب بما لا يستطيع هو أن يصف نفسه بأدق منها ذلك أن الله عليم بذات الصدور .

والألفاظ التي وصف بها القرآن حال كعب ومن تخلفوا معه إنما وصفت أعماقهم ودواخلهم وصفا دقيقا .. فلم يكن كعب يشعر بفسحة الكون ..رغم اتساعه أمامه .. بل كان يشعر بالسجن الكئيب وبالأنفاس التي لا تتمكن من اختراق صدره من فرط ضيقه ..إنها الكناية الرائعة التي عبر فيها الصحابى عن نفسه ..فهو يشعر بألم ما كان ليتحمله بشر لولا الأمل فى توبة الله عليه.. وعظم الألم قد أتى من عظم الشعور بالإثم والذنب ، وكما سبق القول كلما زادت النفس الإنسانية اتساقا مع الفطرة كلما زاد ضيقها من الإثم .. ورغبتها فى الإقرار والتطهر ..

ومن جانب آخر يظهر أمام القارئ معاناة كعب عند التقاء اللونين الأبيض والأسود أي المعاناة والبُشرى .. الإخفاق والفرح ..

فالناس لا يتسارعون بالبـشرى إلا إذا شعروا بقيمتها عند المبشر بها .. بل انهم يتنافسون عساهم أن يكونوا أول من يبشر بها كلما ازدادت قيمتها عند صاحبها.. إن هذا التسابق بين الصحابة على نقل البـُشرى إلى كعب إنما كان سببه الأساسي هو شعور عموم المسلمين بحالة الألم التي يعانى منها كعب .. ومعرفتهم يقينا بمدى الفرحة التي ستغمره عندما تبلغه البشرى – مما ترتب عليه أن يصيح أحدهم من على جبل عال

( سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع{ يقول يا كعب أبشر)

وفى موضع أخر ( وركض رجل إلىّ راكبا فرسا )

ثم وفى موضع أخر

(وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس )

ثم وفى موضع رابع (فذهب الناس يبشروننا )

وإذا كنا نتناول هذا العمل الجماعي الرائع والشعور الاجتماعي الفريد فيما بعد حين نتناول نموذج المجتمع أو الجماعة .. إلا أننا أخذنا منه فى هذا الموضع ما يشير إلى شدة الألم التي شعر بها الصحابى الجليل .. والتي فاضت منه حتى عمت على الجماعة بأسرها ألما وضيقا لحاله..وتم عكس ذلك حينما عم شعور الفرح .. فعم الجماعة..

ولم تكن المقاطعة دليل بغض ، بل دليل التزام بأمر القيادة الرحيمة والحكيمة ودليل حب عميق ودقيق ... ذلك ان المجتمع الإسلامي لا يعرف المقاطعة العقابية أوالإبعاد عن الجماعة .. إنما يعرف فقط ذلك الأسلوب الرقيق فى المقاطعة العلاجية .. والتي تحافظ على خط الوصال بين الفرد والجماعة

2- المبالغة فى الاعتراف

وإذ كان الاعتراف هو وسيلة النفس السوية لإزالة الأثقال عن كاهلها .. فإن الاعتراف هو وسيلة الحكم الصحيح على النفس الإنسانية أيضا .. فكلما اختلت الفطرة فى داخل النفس أو ضاعت سلامتها ، كلما اقترب الإنسان من الاستهانة بالإثم .. حتى يصل إلى درجة التلذذ بارتكاب الخطأ .. وهى أشد صور الضياع الفطري والتشوه النفسى .. وعلى العكس من ذلك فإن الإنسان كلما اتفقت فطرته مع السوية التي خلق الله الناس عليها ..كلما آلمها الخطأ .. واستبد بها الشعور بالندم ..

من أجل ذلك .. فان الإسلام هو دين الفطرة ..وهذا يعنى إنه يعود بالمرء إلى مرحلة الاستواء الفطري النموذجية من خلال مجموعات الأحكام و مناهج التربية المحددة..

وإذا قام الإسلام بصياغة النفس الإنسانية .. أو أعاد صياغتها فان الحكم على النفس

الإنسانية يكون بقدر تجاوبها مع أحكام الإسلام..وهو نص الحديث..

(لايؤمن احدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به )

وقد منح الإسلام للبشرية بداية جديدة حينما أصلح ما أفسده انحراف أجيال عن السويه..طوال آلاف السنين فأصلحها فى أعوام قليلة ، لينشأ خلال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم جيل على الفطرة السليمة .

ولعله من نافلة القول أن نكرر دائما قولنا : إن معنى الفطرة السليمة ليس هو الابتعاد عن الخطإ .. إنما تعنى سوية الفطرة .. أول وآخر ما تعنى هو مجرد الشعور بالخطإ .. عند الخطا .. وهذه هى النفس التي أقسم بها المولى عز وجل ..

(ولا أقسم بالنفس اللوامة ) سورة القيامة رقم 2

والنفس الطبيعية هى التي ترتكب الخطأ أيضا

( كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون )

وبهذين العنصرين يتكون طرفا المقص .. فلا توجد نفس بشرية لا ترتكب الخطـأ.. وإلا لذهب الله بنا وأتي بقوم آخرين كما ورد فى الحديث :

( لولا أنكم تذنبون لذهب الله بكم وأتي بقوم آخرين يذنبون ويستغفرون فيغفر الله لهم ) كما أنه لا توجد نفس سوية لا تعترف بالخطإ.. والنفس التي لا تشعر بالخطإ .. هى النفس التي ابتعدت عن السوية بمقدار بعيد حتى انحرفت بالكلية فأصبحت لا تشعر بالإثم .. وهى النفس التي استخدم معها القرآن لفظ ( لا يشعرون ) فى كل موضع من مواضع القرآن ..

( ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ) سورة البقرة رقم 12

تلك التي يبدأ عندها الأمر بقليل من الكبر يحول بين صاحب هذه النفس وبين الاعتراف بالخطأ .. وسرعان ما يحاط الكبر بالإصرار ثم إلى مراحل متطورة تنتهي بفقدان الشعور بالخطأ وبلادة الإحساس بالذنب .

وبناء على ما سبق فإن الاعتراف بالخطأ هو سمة النفس السوية وتبدأ هذه الخصلة الجيدة .. بمجرد الشعور بالذنب .. والرغبة فى الاعتراف وتصل إلى قمتها بكامل الاعتراف بالخطأ ..

ولكن ثمة نفوس هى الأعلى والأسمى فى تاريخ البشرية .. ذلك أنها تحمل فوق صدرها عند الخطإ أكثر من مجرد الاعتراف .. وهو الاعتراف المشفوع بتأنيب النفس والمخلوط بعبارات الندم .. فيؤدى ذلك إلى مزيج متجاوز وهو المبالغة فى الاعتراف .

والمبالغة فى الاعتراف لا يتمتع بها إلا أصحاب الفطرة السوية .. والسوية لا تكون إلا على النموذج الإسلامي الفريد.

وصاحب اليوميات هو الصحابى الجليل ( كعب بن مالك ) صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم .. والذي شهد بيعة العقبة..

و هو صاحب النفس السوية التي رباها الإسلام لتعود إلى فطرتها السليمة التي يقاس عليها .. كنموذج إسلامى على مر التاريخ..

فلم يكن غريبا أن تشهد اليوميات بمدى سلامة الفطرة لكعب بن مالك رضى الله عنه .. ذلك أن المبالغة فى الاعتراف ..هو دليل على استواء الفطرة فى أعلـى درجــاتها.. وللقارئ أن يلمح هذا الاستواء والمعبر عنه بالمبالغة في الاعتراف من أكثر من وجهه.. أولها .. إبعاد الظروف المخففة بفعل المقر .. وهو ما لا يفعله المرء فى مثل هذا الموضع عادة ..

ثانيها .. استخدام القسم للتدليل على صحة الاعتراف .. وهو ما لا يطلب فى هذا الموضع عادة..

ثالثها .. تكرار الاعتراف .... وهو ما يستغرب فى مثل هذا الموضع عادة ..

اولا – إبعاد الظروف المخففة .. بفعل المقر

إذا كان الاعتراف من سمات النفس السوية حال إعتدالها .. فإنه لم يكن أبدا مصحوبا بتطوع المبالغة فى إدانة النفس أو إبعاد الأعذار عنها بفعل المعترف – فبلغُة أهل القانون .. قد يعترف مرتكب الخطإ .. ولكنه فى نفس الوقت سوف يذهب إلى استعراض الظروف التي ألجأته إلى الخطإ ، أو على الأقل تكون قد ساعدت على ارتكابه أو حتى قد يلتزم الصمت حيال الأمر فلا يتعرض له ويكتفى بمجرد الإقرار .. ولكن أن يعمد المقر إلى استبعاد الظروف المخففة بنفسه .. عن نفسه فإن ذلك ليكشف لنا مدى إيلام الذات .. وقوة الشعور بالذنب – وهذا هو الغريب فى الأمر ..

ويتجلى ذلك العقاب الفريد الذى يوقعه المرء على نفسه فى يوميات الصحابى الجليل حينما يعمد إلى إحاطة نفسه بدرع يمنع الغير من تقديم يد العون له ولو بالتماس عذر لتخفيف الخطإ ومن هنا .. فإنه رضى الله عنه فى يومياته يقول :

( كان من خبري أنى لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه فى تلك الغزوة )

وكان من الممكن أن ترد ألفاظ الإقرار على غير هذا النحو .. كأن يكتفي بذكر حاله دون استخدام أفعل التفضيل – فيذكر أنه كان قويا مثلا و كان يسيرا .. إلا أن الصحابى كان يكرر أنه لم يكن أيسر .. ولا أفضل .. ويتكرر هذا الإيلام الشديد للنفس حين يقول: ( والله .. ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما فى تلك الغزوة )

ثانيا – استخدام القسم

والمبالغة فى الاعتراف تتجلى حينما يلجأ المعترف إلى استخدام القسم وهو أمر لا يطلب منه حسب طبيعة الاعتراف كعمل إرادي .. يقر به المرء على نفسه ..

إلا ان القارئ ليلحظ هذا الإيلام النفسى الشديد حينما يقرأ القسم فى مقدمة كل عبارة من عبارات الاعتراف .

( والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما فى تلك الغزوة )

وكذلك قوله عند مقابلة حبيبه صلى الله عليه وسلم :

( ثم قال تعال .. فجئت أمشى حتى جلست بين يديه فقال لي : ما خلفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ فقلت : بلى – إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر ... ولكنى والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنى ليوشكن الله أن يسخطك على ... والله ! ما كان لي من عذر ... والله ! ما كنت أقوى ولا أيسر منى حين تخلفت عنك )

وإذا نظرت إلى تكرار القسم .. علمت مدى شدة الألم .

ذلك أن النفس السامية هى التي تقر بما فعلت .. والنفس الأكثر سموا ورفعه هى التي تقسم على صحة إقرارها ويكون هذا القسم نابعا من إحساسها بالذنب و الخطإ..

ثالثها.. تكرار الاعتراف

ويستوي تكرار الاعتراف مع القسم من حيث قيمة العرض الخارجي للحال النفسية وشدته ..إلا أنه – أي التكرار .. يأتى كمظهر من مظاهر مضاعفة لوم النفس – فانظر له وهو يصدر روايته بالاعتراف بالخطإ إذ يقول فى أول عبارة فى اليوميات :

( كان من خبري أنى لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه فى تلك الغزوة ووالله ما اجتمعت عندي راحلتان )

وهذا الافتتاح لليوميات يأتي على غير موضعه المعتاد.. إذ أن السياق الطبيعي للرواية أن تبدأ بالأحداث .. ثم تنتهي بعرض الخطإ ، إلا أن الصحابى الجليل بدأ القصة بما ألح على نفسه من عذاب وإيلام .. فتكرر منه الاعتراف فى كل موضع .. وكان أول المواضع افتتاح القصة .. وكأن لسان حاله يخاطب من يقرأ أن يتجه إلى القسوة فى الحكم عليه .. وألا يلتمس له عذرا ..

خاتمة الفصل الأول

حقائق ثابتة .. ودروس مستفادة

لم يعد بعد الاستعراض لألفاظ اليوميات ثمة شك فى سمو نفس هذا الصحابي الجليل .. ومن عجب أن يثير الاعتراف ذلك الكم الهائل من الإعجاب بتلك النفس السوية..

وعلى الباحثين والسالكين فى دروب الدعوة الإسلامية أن يستخلصوا منها ما يعينهم على تدعيم المسار .. وأهم ما يجب الإشارة إليه هو :-

صفة الامتناع عن الاعتراف بالخطإ .. نقطة وقف لازم .

الخطأ والاعتراف به .. طرفان لازمان وعنوان للنفس السوية .

أثر الخطإ على النفس بين الناس ليس سواء .. ذلك أن النفوس ليست سواء .

العلاج علم وفن لا يقوم به إلا العالمون.

ولعلنا إذ نكتفي بتلك الحقائق فذلك لأننا فى مقام الإشارة .. وعلى علماء التربية تفصيل ذلك .. وهو عملهم الأصيل وجهدهم الرفيع .. ولعلنا نكون قد صادفنا الحقيقة حينما قررنا أن الخطأ باعتباره صفه بشرية لازمة لا ينبغي أن يثير غرابة المربى، إذا ما لاحظه فى سلوك تلاميذه ، كما أنه لا ينبغي أن يثير ولو تغيرا داخليا فى نظرته إلى المخطئ.. وهذا ما يجرنا إلى الحقيقة الثانية والتي تشير إلى أن النفس التي لا تعترف بالخطإ هى التي تحتاج من الدعاة والمربين إلى وقف لازم لتدبر الأمر .. فهنا يكمن الخـطر الحقيقي فعدم الاعتراف هـو البداية لـطريق طـويل نهايته أن يزين الشيطان للانسان خطأه .. فيتحول المرء من حالة عدم الاعتراف بالخطإ إلى حالة فساد الرؤية واختلال الميزان .

فهى إذن درجات أو لك أن تقول دركات لا نهاية لها ..

إن كعب بن مالك هو النموذج الإسلامي الصحيح الذى يجب أن تقاس عليه الأمور .. وجريمته قد تصل إلى جريمة التخلف عن الغزو .. ومع ذلك فإن القائد المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يزد عن قوله :

) أما هذا .. فقد صدق )

ثم أرجا صلى الله عليه وسلم أمره .. لأسباب سترد حين الحديث عن نموذج القيادة المسلمة .. وما يجدر ذكره فى هذا المقام ..هو كيفية تلقى المصطفى صلى الله عليه وسلم لأمر الخطأ .. فهو يتلقاه كأمر طبيعي .. دون تعجب أو استغراب .. ولكنه فى ذات الوقت لم يغفل تصحيح الخطإ .. أو إعادة صياغة تلك النفس الفريدة .. وهو المعنى الأدق..

إن على الدعاة ان يتقبلوا أمر الخطأ .. كواقع طبيعي .. وعليهم أن يتابعوا نفس المخطئ ..فهى يجب أن تكون من النموذج الإسلامي الصحيح .. فى إحدى درجاته والتي تبدأ من الرغبة فى الاعتراف مرورا بالاعتراف الصحيح .. وانتهاء بالنموذج الرائع .. الذى يبالغ فى اعترافه .. قصاصا من نفسه واتساقا مع الميزان الصحيح للأمور وهنا يجب تقدير هذه النفس السويه .. وعلى الدعاة أيضا أن يعلموا أن إصلاح أبناء الدعوة لا ينبغي أن يتم إلا بمشرط حكيم .. يستأصل جانب الخطإ .. ولا يجور على الإيجابيات فيقلل منها .. يكيل الأمر بكيله ويقدر فى المخطئ اعترافه بفعله .. إنها مسالة لا تحتاج إلى العلم فحسب وإنما تحتاج إلى الحكمة ..

أعلى

العودة ::: الرئيسية
 

 

Ahmed Kamal Graphics for Web and Graphics Designing