|
لم تكن القبلة التى يضعها على يدها إلا عنواناً لمرحله
تاريخيه ساهمت فيها أمه بالنصيب الأكبر .... وقد ماتت الحاجه " مبروكه " رحمها
الله منذ عشر سنوات أو يزيد قليلا ويروى الذين حضروا لحظاتها الأخيرة أنها
كانت تخص بالدعاء ابنها " ثروت " رغم تقدم العمر بها واختلاط الأسماء لديها
والأم لا تكثر من الدعاء لأصحاب المناصب من أبنائها وإنما تكثر من الدعاء
لأصحاب القلوب منهم .
وإذا ما عدنا إلي الطفل الصغير وقد نما حتى المرحلة الثانوية فهو يتحسس
الأخبار لعله يعرف متى يأتي إلي بيتهم " عمو ثروت " فإذا ما عرف الموعد دعا
كل الأصدقاء المحترمين في المرحلة الثانوية وقليل ما هم لحرصه على أن يبدو
محترماً أمام " عمو ثروت " ولك أن تقول إنما يريد أن يبدو محترماً أمام
الزملاء والأقران أيضاً – ويجلس المراهقون أمام الرجل وهم في أشد حالات
الإنبهار – ولم يكن ذلك الإنبهار بالنسر أو بالنجوم التي وضعتها الرتب على
الأكتاف وإنما كان الشئ الأخاذ هو ذلك البريق الذي يشع من عين الرجل بالذكاء
والتواضع في آن واحد – فحينما تكون الجلسه " جلسة عيال " يرتقى بها الرجل فى
حديث جميل حول الوطن والمستقبل وأطماع إسرائيل فتتحول الجلسة بقدرة قادر إلى
" جلسة كبار" وكبار جدا كمان والأعجب أن هذه المجموعة من المراهقين ظلت تحفظ
كلمات الرجل وترددها حتى بعد أن تجاوز الواحد منهم سن الخمسين إن اللافت
للنظر هو قدرة الرجل فى أن يتحدث عن الموضوعات العظام فيوصلها إلى الصغير
بصياغة يفهمها وإلى الكبير بصياغة تليق به إن المراهقين يحلمون عادة بالمال
والزواج من فتاة الأحلام ... وقليل من شعر كامل الشناوي ونزار قباني ... أما
نحن يجلس مع " عمو ثروت " فله أحلام تختلف عن ذلك حتى ولو كان من أضعف
المراهقين ... فإنك ستجد مراهقاً يحلم بخلاص العالم من الهم الصهيوني البغيض
.... أو يحلم بعودة أرض الأنبياء ... أو يحلم بنصر على أرض سيناء ... ذلك
لأنك تسمع من الرجل أن الصهيونية هى عداء للرسل والإنسانية والحضارة ...
وتسمع عن أحلام الأمم فترتقي مع ذلك الحديث بأحلامك .
لقد صنع الرجل النصر في نفوسنا قبل أن يشارك في صناعته على أرض الواقع في
سيناء ... وارتقى بحلم المراهقين فجعل من مصر فتاة العشرين التي يحلم بها كل
الحالمين .
- إن المخزون الثقافي لدى الرجل يصعب أن نحصره في مقال ... إلا أن المؤلفات
التي كتبها فضلا عن التراجم لتشير إلي ذلك المخزون العلمي ومدى تنوعه ... فقد
كتب عن المصطلحات العسكرية وعن فنون الحرب وعن الانتصارات العربية في صدر
الإسلام وعن الحرب العراقية الإيرانية مؤلفات عديدة ....
- وإن شئت فلنخص بالذكر تلك الأجزاء الأربعة التي صدرت تحت عنوان " فن الحرب
" فضلاً عن دراسته الرائعة لحرب الصحراء ومؤلفه عن حرب الخليج الثانية
وعلاقتها بالأمن القومي .
ولإنه كان يبشر بنصر أكتوبر منذ زمن بعيد ... فضلاً عن كونه أحد فرسانها
تخطيطاً وتنفيذاً فقد كتب عن دور المدفعية التاريخي كتابا بعنوان " وأنطلقت
المدافع عند الظهيرة " ولعل الذاكرة تسعفني في اسماء بعض التراجم وهى عديدة
منها ترجمة عن استخدام الطرق الرياضية في الحرب الحديثة ومنها ترجمة كتاب "
بعد العاصفة " فضلاً عن الترجمة الشهيرة للكتاب القيم " الحرب وضد الحرب "
وهو يتحدث عن أسرار وعوامل البقاء في القرن الواحد والعشرين.
- لقد وضع المشير " أبو غزالة " أيضاً
مقدمة موجزة لكتاب " نصر بلا حرب " الذي ألفه الرئيس الأميركي السابق "
نيكسون " إلا أني أعتقد أن في مقدمته كانت الإشارة إلي مفتاح فهم حقيقة
الكتاب وقد استعرت من مكتبته كتاباً عن غاندي وعنوانه " هذا مذهبي "
وبالمناسبة فلم أرده له حتى الآن وكان ذلك منذ ثلاثين عاماً تقريباً .
- وكان " أبو غزالة " يتخير لهوايته ما يتفق مع مواهبه ويأنس إلي لعبة
الشطرنج فكان ينهي دور الشطرنج في دقائق معدودة وكنا نبطئ من حركة اليدين حتى
يطول الوقت الذي نمضيه ونحن نتقمص شكل الأنداد له أمام رقعة الشطرنج فيفخر
الواحد منا بانه أطال الدور أمامه لعشر دقائق مثلاً أو يزيد ... وإذا ما غبت
عنه لدقيقتين لتعد الشاى للضيف العزيز فتعود إليه وهو يلقي بالجريدة أرضاً
وقد صرع الكلمات المتقاطعة باكملها فلا تجد خانة بيضاء إلا وقد طعنها بسهم
المعرفة .
وفي حرب اكتوبر 1973 كان الشباب يتناقلون أخباره كما يتناقل الناس روايات "
الشاطر حسن " الذي قهر " أمنا الغولة " ولأن الغولة لم تكن امنا يوماً ما فقد
قهرها رئيس أركان المدفعية وقتئذ مع صحبة طاهرة من أبناء مصر المخلصين ....
وقد أسعدنا أن قهر الغولة كما أسعدنا الشاطر حسن ذلك الشاطر الذي لم يعد من
الجبهة زائراً لبيته شأنه شأن الجنود جميعاً – حتى عاد المشتاقون إلي ذويهم
فعاد مع عودة أقل الرتب في مساواة من قبس الأنبياء .
<<<التالي
السابق>>> |