|
أبو غزالة الذي لم يعرفه أحد....
الأن أعطي لنفسي الحق في أن أكتب عن ذلك الرجل الذي كان ومازال علامة من
علامات الإنسانية فلم يعد بيني وبينه أى مصلحة ترتجى ولن تثور شبه المداهنة
ذلك أن بيني وبين النفاق جسراً لن أعبره فاختزلت إعجابي بالرجل حتى ترك منصبه
كوزير للدفاع ونائب لرئيس الوزراء ثم كمساعد لرئيس الجمهورية وبعد أن أعطى
الناس لأنفسهم حق أن يتخيلوه كرئيس للجمهورية ... أو أن ينظروا إليه كما
ينظرون إلي المنقذ الذي ينتقل بهم من عالم الأحلام إلي عالم الحقيقة فاطلقت
قلمي لأسدد حق الوفاء له ... ولأني أولى من الناس جميعاً في الكتابة عنه فقد
قهرت الامتناع الداخلي وعرضت هذه الحقائق دون ان أطلب منه إذنا فالحق في هذا
الأمر هو حق الناس في أن يعلموا عن هذا الرجل وجهه الإنساني وحقهم أيضاً في
أن يتعايشوا معه حق التعايش .
وإذا كان الاسم العائلي " ثروت " فإن الاسم الحقيقي هو " محمد عبد الحليم أبو
غزالة " وقد حصل الشاب " محمد " على التوجيهية من مدرسة دمنهور الثانوية وقدم
أوراقه إلي الكلية الحربية وتلاحظ عليه النبوغ منذ اللحظة الأولى ... وبالرغم
من أن الطالب " محمد " كان هو الأصغر بين أبناء دفعته في الكلية إلا أنه كان
الأول على هذه الدفعة ... وتشهد أحداث شبابه بإنفتاح فكري واضح ظهر في
متابعته الفنون والآداب والقصص ... إلا أنك قد تلاحظ حبه للقراءة والإطلاع
بصفة خاصة منذ اللحظات الأولى في أيام حياته .
ونطوي صفحة البداية لنبدأ مع الضابط الشاب وليبدأ مسرح الأحداث مع الرجل
انطلاقاً من شارع المهدي – والمنزل رقم 13 بحلمية الزيتون حيث المكان الذى
سكن فية المشير " أبو غزاله " منذ أن كان ضابطا صغيراً .... وشارع المهدى هو
شارع صغير خلف مسجد الشيخ بخيت بميدان حلميه الزيتون بنى فيه الضابط الشاب "
ثروت " منزلا من ثلاثه طوابق سكن فى الأخير منها ولم يأنف من تلك الحارة
الضيقه التى لا يزيد عرضها عن أربعه أمتار حتى بعد أن وصل إلى رتبه اللواء
.... وربما كان أهل الحى يتحدثون فخرا عن " سيادة اللواء " طوال عشرتهم معه
إلا أنه لم يجد فى نفسه ما يستحق الفخر ... ففى التواضع يكمن مفتاح شخصية هذا
الرجل الأسطورى الذى يصاحب سائق سيارته ويصادق البسطاء ويلعب كرة القدم مع
جنود معسكرة .
إنك إذا دخلت إلى مدرسه المدفعيه مثلا فى منطقه ألماظه وقت أن كان اللواء "
محمد عبدالحليم أبو غزاله " رئيسا لأركان المدفعيه فإنك تجد نفسك بين يدى جيش
شديد البأس عظيم النظام وتجد أيضاً وفى ذات الوقت ساعات للترفيه يزدحم فيها
ملعب كرة القدم ويضيق بالجمهور ... وإذ يتصايح اللاعبون وهم من الجنود فيما
بينهم " العب يا فندم " " باصى يافندم " فثق أن بينهم ومعهم يلعب رئيس أركان
سلاح المدفعيه المصريه وهى صور تشرح لك طبيعه قائد يملك مقومات خاصه وكم يمنح
التواضع للناس من درجات ! المهم أن المباراة تستمر حتى نهايتها ويا لحسن الحظ
لو أحرز سيادة اللواء " محمد عبدالحليم أبو غزاله " هدفا .... وأقصد حظ
الجنود طبعا .
وهذه الأحداث يرويها لنا الطفل الصغير الذى مات والده وهو لم يصل إلى العاشرة
من عمره بعد ... وحين يموت الأب يصاب أصحابه جميعا بفقدان الذاكرة .... فى
زمن عز فيه الوفاء قل أن يتذكرك الواحد منهم حتى إن قابلك فلا تملك إلا أن
تذكره بنفسك وبدلا من أن يتذكرك تجده وقد تذكر موعدا قد حان وقته المهم أنك
لا تسمع إلا وقع الخطوات وهى ترحل بعيدا عنك فى سرعه البرق ولكن " ثروت " لم
يكن من هذا الطراز ... بل كان من النماذج التى ساقها لنا التاريخ عنواناً
للوفاء فقد كان وفياً إلى صداقته وقرابته إلى حد الملازمه والمتابعه
والاهتمام ... وقد كان قريباً لوالد الطفل الصغير وصديقا له أن واحد ومن هنا
دارت معه العديد من الأحداث والمواقف التى كشفت عن رجل قل أن يتكرر فى هذا
الزمان .
وكلما زادت النجوم على كتف الضابط الصغير ازداد تواضعه وكلما افتخر به الابن
اليتيم أمام أقرانه فى المدرسه " إنه خالى ثروت " مع أنه لم يكن " خاله ولا
يحزنون " إلا أنه ومن فرط الحنان فقد وصل " ثروت " إلى ما هو أعلى من صلات
القربى .
وكانت مباريات النادى الأهلى هى الوليمه التى يجتمع عندها الأحباب ويدعى لها
الأقارب والأصحاب وبالطبع فإن الأطفال لا تنسى ولا تضيع فى غمرة الزحام بل
إنهم غالبا ما يتقدمون فى وليمه " عمو ثروت " ولهم كل الأهتمام وبينهم ذلك
الطفل الصغير وينفعل الحاضرون بالتشجيع والهتاف والانتقاد أيضا وهم يشاهدون
المباراة فى التليفزيون أما " عمو ثروت " فقد كان أشد الناس انفعالاً إلا أنه
إذا أراد أن ينتقد لاعبا فإن أعلى الألفاظ عنده هو أن يقول " ريعو النهارده
وحش " وقد كان الزمن وقتئذ زمن ريعو والسايس والفناجيلى والشيخ طه .
وبهذا المناسبه فإن المشير أبوغزاله يحب النكات ويفهم المزاح الراقى – وكان
إن فاز الأهلى على الزمالك فى الستينيات بثلاثه أهداف نظيفه وأرسل تلغرافا
يزف فيه التعازي إلى زوج أخته رحمه الله إذ كان من مشجعى الزمالك وإذ يقرأ
عباراته فيجدها لا تزيد عن " تعازينا فى الثلاثى المرح ".
واليقين فى الأمر أن هذه الرقة لم يكن يخص بها أحدا دون أحد .... بل قد يصل
بك العجب مداه إذ تجده رقيقا حتى مع قاتل ابنه .. فيوم أن مات ولده هشام رحمه
الله فى ميدان حلميه الزيتون إثر حادث أليم ارتكبه سائق يعمل فى هيئه النقل
العام وربما كان ذلك فى أوائل الستينيات ... لم يمنعه الألم أو الأسى من أن
يصافح السائق القاتل فى سرادق العزاء بل إنه لم يوجه إلى السائق حتى كلمه
عتاب ... ولم تكن لديه رغبه فى الانتقام أو ضغينه يحملها وبالتالى فلم يتكلف
عناء مقاومه حقد أو مرارة كتمان غل يحمله وحتى باب الذكريات بشأن فقيده فلم
يفتحه الرجل إلا فى حدود المسموح ولم يسمعه أحد يضع الفروض أن لو كان هشام
حياً لكان كذا وكذا ....
وقد كان يحلو له كل شئ ويحلو معه كل شئ ... فيحلو لك أن تشاهده وهو يريدى
الثوب الأبيض فى كل جمعه ليصلى فى مسجد الشيخ " بخيت " فى ميدان حلميه
الزيتون والذى يبعد عن شارع المهدى عشر خطوات كما يحلو لك أن تشاهده وهو يمزج
السمات الشرقيه بالالتزام الدينى مع احترام حريه الآخرين فى وعاء واحد داخل
بيته ومع أسرته – فلم ينشأ غريباً عن مجتمعه إنما ظل رغم صعوده على سلم
السياسه والحكم محترماً أصوله الشرقيه حريصاً على انتظام بيته ضعيفا أمام أمه
ضعف رحمه وتقدير كل ذلك فى وسطيه رائعه نبعت من نفس سويه .
وإذ يأتى الحديث إلى ذكر أمه فهو حديث البر الصادق ... فقد تربى المشير أبو
غزاله بين أب يعمل بهيئه البريد وأم من الطراز المصرى النادر والأم هى التى
صاحبت الطالب الصغير " محمد " كما صاحبت المشير " محمد عبد الحليم أبو غزاله
" ... حتى أخر أيامها .
<<<التالي |