|
أسباب ضعف ... الحركات الإصلاحية ... في مصر

إقترب موسم الانتخابات الرئاسية التي سوف تفرض نفسها على مصر فرضاً ...
ولعل الحزب المتحكم يبحث الآن عن الخطوات اللازمة لإتمام عملية إنتقال
السلطة من خلال عملية الانتخابات الرئاسية القادمة .
- وعلى الجانب الآخر تزداد الحركات الإصلاحية ضعفاً وابتعاداً عن بؤرة
الأحداث ... كما تزداد تفرقاً يوماً بعد يوم ... ويهرب المحللون
السياسيون من مناقشة أسباب هذا التردي وذلك خشية الوقوع في دائرة الإتهام
بمجاملة النظام الحاكم أو شبهة التقرب إليه بصورة أو بأخرى ... إلا أن
الحقيقة تملي نفسها علينا ... كما يفرض الواجب سلطانه وبالذات في هذا
التوقيت ... فكما لن يرحم التاريخ تلك النظم التي أوقعت مصر في تلك
الهاوية السحيقة ... فالتاريخ ومن باب آخر لن يرحم المعارضة المصرية
والحركات الإصلاحية بسبب تخليها عن الواجب المنوط بها ... وعدم إلتفاتها
إلي أسباب الضعف والإنهيار أو حتى مجرد البحث عن علاجها ... وتنقسم
الحركات الإصلاحية إلي أحزاب وتجمعات وجماعات ... فأما رمز الأحزاب
المعارضة في مصر فهو حزب " الوفد " رغم ضعفه ... ولا نكاد نجد حزباً آخر
له ذات القوة التاريخية كما يتعادل مع حزب الوفد في الضعف " الحزب
الناصري " أو " حزب التجمع " وكذلك " حزب الغد " وغير ذلك من الأحزاب
المختلفة الأسماء ... أما التجمعات ... فرمزها حركة " كفاية " وأما
الجماعات فرمزها حركة " الإخوان المسلمين " ... كما أن من الجماعات
الإسلامية ما له أثر على الفكر السياسي والمجتمعي سلباً وإيجاباً ... "
كالحركة السلفية " والتي بات تأثيرها واضحاً على المجتمع المصري من خلال
ما تبثه من أفكار من خلال الفضائيات التي تتلقف كل ما هو إسلامي من باب
إنجاح العمل الإعلامي فقط ... بل إنها تتخطى ذلك إلي تلقف كل ما هو غريب
ومثير حتى لو كان على حساب الفقة أو حق الفتوى كما لا ينبغي تجاهل
التجمعات اليسارية بكل أطيافها والخارجة عن نطاق الإنتماء الحزبي .
- ونكاد نجزم أن عوامل الضعف قد أصابت التجمعات الإصلاحية جميعها إلا
أنها أحياناً تأتي في كل حزب أو تجمع بأسباب متفاوتة ... وسوف نعرض إلي
ثلاثة أسباب فقط من أسباب ذلك الضعف ... ولعلها تكون أبرز الأسباب في
الواقع المعايش وسوف لا نتعرض لأسباب الضعف التي تنشأ من خارج الحزب أو
الجماعة الإصلاحية مثل الضغوط الأمنية وتدخل الدولة الشمولية في تعميق
الخلافات الداخلية للحزب وكذلك غياب المناخ الديمقراطي العام في مصر إلا
أننا سنتعرض للأسباب التي ترجع فقط إلي إدارة الحزب الداخلية أو أسلوب
الجماعة الإصلاحية وسنعرض لبعض الأسباب المشتركة دون الخوض في السلبيات
الداخلية الخاصة بكل جماعة أو حزب .
السبب الأول : الشعور الخاطئ بملكية القيادة للحزب او
الجماعة :
- وهذه المسألة الشائكة لا تتسرب إلي أشخاص قيادات الحزب والتجمع
الإصلاحي إلا خفيةً وبطريقة تدريجية ... فبدلاً من أن تكون القيادة ملك
للحزب أو الجماعة يصبح شعور القادة هو شعور من يمتلك حزباً أو جماعة ...
وهذا الشعور إذا تمكن من قيادات الحزب او الحركة الإصلاحية تحول إلي صانع
حقيقي للتشريعات و اللوائح والقرارات التي تحكمه فتتحول التشريعات
واللوائح المنظمة لحركة الحزب أو الجماعة من كونها قاعدة عامة مجردة تصدر
من آلية ثابتة ... فتتحول بفعل ذلك الشعور المرضي إلي مجموعة من الجدران
الحارسة لأشخاص وقيادات الحزب أو الجماعة الإصلاحية وهو ما يطلق عليه في
الحياة التشريعية بعيب " الإنحراف التشريعي " ... وهو الذي يصيب القانون
أو القرار حينما يصدر لحماية أفراد أو جهات أو لتحقيق غرض شخصي ... دون
أن يتوخى المصلحة العامة ... ويملى هذا الشعور المرضي على قيادات الحزب
أو الجماعة أو التجمع قواعده الفاسدة فيتحول المكلف بقيادة هذه الحركة
الإصلاحية إلي التصرف كمالك لها سواء أكان فرداً أم مجموعة من الأفراد
... ثم تتحول القرارات والتشريعات إلي مجموعة عناصر داعمة لبقاء الأفراد
المتحكمة ... وذلك تحت شعار مصلحة التنظيم ... وعلى أى الأحوال فإن
اللافتة التي يحملها المتحكم في التنظيم مهما كان بريقها لا تغير من
الآثار السلبية التي تنعكس على جمهور الخاضعين أو العاملين في الحزب أو
التجمع الإصلاحي ... فهم وبدورهم يبخلون بجهدهم وجهادهم إذا ما كان هذا
الجهد مجرد إضافة لتثبيت وجود القيادات المتحكمة ... حتى لو حاول
المتحكمون أن يغلفوا القرارات بشكل المصلحة العامة للحزب أو للفكرة ومن
هنا يبدأ الصراع ... ومن طبيعة هذا النوع من الصراع أنه لا يظهر على
السطح فجأة وإنما يتجمع أولاً على هيئة عبارات نقدية تبديها القاعدة ...
ثم تكثر العناصر السلبية من حيث الأداء أو تبتعد في المقابل العناصر
الإيجابية ... وقد تلجأ العناصر المتحكمة إلي سياسة الإبعاد لكل ما يشكل
أعباء عليها ... ويكون ذلك أيضاً تحت شعار المصلحة ... ومع مرور الوقت
يبدأ الصراع ... حتى بين أفراد القيادة ذاتها ... فتسرب الشعور بامتلاك
المؤسسة الإصلاحية يبرر حتى للقائد أن يحاول تدعيم موقفه في تلك المؤسسة
حتى يمتلك آليات التغيير ويسيطر على عناصر الإبعاد ... وهو ما يسمى بلغة
السياسة " التربيطات الحزبية " ... الخلاصة إذن أن شعور القيادات
المتحكمة في المؤسسة بامتلاكها للمؤسسة الإصلاحية يدفع بها إلي مزيد من
الاجراءات التي تحمي بها نفسها ويكون ذلك بالقطع على حساب مصداقية
المؤسسة والتي من المفترض أنها تقوم على نقيض من الأوضاع الفاسدة في
المحيط السياسي الذي تطالب المنظمة الإصلاحية أو الحزب بإصلاحه ...
فتتحول هى نفسها إلي ميدان للجهاد من أجل الإصلاح ويلتفت أتباعها
وأعضاؤها إلي مناقشة الخلل الداخلي ... وإذا كانت الأحزاب والتجمعات
الإصلاحية تتكتم عادة ما يحدث فيها من سلبيات أو صراعات تحت اعتقاد
بخصوصية الشأن الداخلي ... ومع عدم تسليمنا بهذا المعنى أو هذا المبرر
إلا أن الصراع لابد وأن ينفجر مع أول نقطة غليان تظهر على السطح ... ولا
يفيد والحال كذلك إخفاء الحزب الإصلاحي مشاكله وسلبياته تحت عبارة "
الشأن الداخلي " ... بل إنها قد تضيف إلي المعنى المرضي رصيداً جديداً
كما أن هذه العبارة إنما تعبر عن عدم فهم لمعنى الحركة الإصلاحية ... ذلك
أن الحركة الإصلاحية هى ملك للمجتمع ... وليس لها شأن داخلي على الإطلاق
... إذ أن كل ما داخلها معروض أمام الكافة بحكم الغاية الإصلاحية
والشفافية التي تتطلبها تلك الغاية ... وهي في هذا الصدد تختلف عن
التنظيمات السرية التي يكون لها عادة استراتيجية خاصة للاختفاء والتواري
في كل شئ ... من أول الحركة وانتهاءً بالغايات ومروراً بالأسلوب الداخلي
واللوائح المنظمة ... إلا أن أثر ذلك أيضاً يظهر على المناخ الديمقراطي
داخل المؤسسة الإصلاحية ... ففي الوقت الذي يصبح القدر الميسر من
الانتقاء الديقراطي وسيلة في يد المتحكمين في إدارة المؤسسة الإصلاحية
لتحقيق أغراضهم ... إلا أن المردود الأسوأ يكون على مناخ القرارات ذاتها
... وعلى الطبيعة العضوية للتنظيم فيصيبها هذا الأمر بثلاثة مظاهر قاتلة
... وأولها إنتقاء الأقرب على حساب الأكفأ ... وهذا الإجراء الفاسد هو
وليد الدولة الشمولية ... والثورات الدموية والإنقلابات بصفة عامة ...
وعادة ما يتعلل حاملوه بأن تطبيق هذا الإجراء إنما هو موقوت بظروف
إستثنائية إلا أنه سرعان ما يتحول هذا الإجراء إلي واقع تطبيقي لا يمكن
الاستغناء عنه وقد كان شعار " الثقة قبل الكفاءة " هو أحد عناصر الهدم
والإساءة لثورة يوليو ... حتى وصل أمر إسناد المؤسسات الصحفية إلي بعض
الضباط والقادة العسكريين ووصل أمر إسناد الإشراف على المؤسسات القضائية
إلي بعض كبار الرتب ورجال المخابرات العسكرية ولم يكن ذلك إلا تطبيقاً
لقاعدة الثقة قبل الكفاءة .
أما المظهر الثاني فيتمثل في تغييب المؤسسات المتخصصة وذلك انطلاقاً من
وجود الرغبة لدى المتحكمين في الإدارة بأكملها في إمتلاك ناصية القرار
ويترتب على ذلك ظهور مركزية وصورية اللجان الاستشارية ... ومثل ذلك في
النظام الإداري الحكومي المصري يظهر في إهمال المراكز القومية المتخصصة
والتي ينحصر دورها حالياً على كتابة المؤلفات والتقارير المهملة ... ومن
الجدير بالذكر أن التجمعات والأحزاب الإصلاحية قد تشير في قراراتها إلي
كونها هيئة أو حزب مؤسسي أى أنه يعتمد على المؤسسات في صناعة وصياغة
القرار إلا أن الحقيقة دائماً غير ذلك فغياب المناخ الديمقراطي والآله
الديمقراطية يستتبعه حتماً غياب التطبيق الديمقراطي ... والذي تعد
المؤسسة المتخصصة هى أهم مظاهره .
أما المظهر الثالث : فإن من نتاج هذا الإعتقاد المرضي هو إختفاء القيادات
والكوادر القادرة على التغيير وظهور الفرد السلبي ... ذلك أن حرص
المجموعة المتحكمة على البقاء والاستمرار في إدارتها للمؤسسة إنطلاقاً من
شعار الحفاظ على المؤسسة أو الشعور بالحرص عليها يدفعها دائماً إلي
إنتقاء العناصر الأكثر سلاسة والتي لا يسيطر عليها فكرة التطوير أو
التغيير والتي تميل إلي الأداء التنفيذي... وإذا كان علماء الاجتماع قد
أشاروا إلى أن الأشخاص القادرين على إحداث التغيير هم ندرة بحكم طبيعتهم
فإن إبعادهم عن القيادة يكون أمراً مقصوداً في ظل هذا الشعور المرضي وهو
الشعور بامتلاك المؤسسة ... ولا يعني ذلك أن العناصر القادرة على التنفيذ
تشكل ضعفاً للحزب أو المؤسسة أو الجماعة إلا أنها قد تضر إذا بقيت وحدها
في ساحة العمل دون وجود عدد مناسب من العناصر القيادية والقادرة على
القيادة .
|