|
|
بشــأن ما تم اثارته حول التعديلات الدستورية فى رسالة إلى مجلس الشعب والشورى أرسل السيد رئيس الجمهورية تصوراً شخصياً من سيادته بتعديل "34" مادة بالدستور وطلب ادخل التعديلات عليها . وعلى هذا النحو بدأت التجمعات السياسية والأحزاب والإعلام فى النقاش حول ما حدده السيد الرئيس محوراً للحديث . وإذا كان من المتعين علينا أن نذكر أبعاد هذه التعديلات وأوجه العوار التى تصيبها فنحن نلخصها فى النقاط التالية :
النقطة الأولى : أن رئيس الجمهورية فى الدستور يمثل قمة السلطة التنفيذية، كما يمثل توجهاً حزبياً باعتباره الرئيس الأعلى للحزب الوطنى الديمقراطى ووفقاً للنظام الحزبى والقواعد الدستورية أيضاً فإنه لا يجوز أن ينفرد رئيس حزب بإجراء تعديلات دستورية أو حتى الانفراد بطرحها من حيث التصور ذلك أن الدستور هو ملك للشعب كله وأن طرح التعديل الدستورى لابد وأن يأتى من الشعب كله إما على هيئة جمعية عامة أو على هيئة التمثيل الرمزى لكافة التجمعات والأحزاب لأن مجرد طرح رؤية التعديل وطرح المواد التى ينحصر فيها التعديل إنما هو توجه سيأسى لا ينبغي أن تمليه إرادة حزب واحد .
النقطة الثانية : فإذا كان من طرح هذه التعديلات هو أيضاً الرئيس الأعلى للسلطة التنفيذية فيكون ذلك أول مظهر من مظاهر الابتعاد عن الاختصاص فى السلطات الذي نظمه الدستور فليست وظيفة المجلس التشريعي أن يتلقى دائماً التعديلات الدستورية والقانونية واللائحية من السلطة التنفيذية ولكن وظيفة البرلمان الأساسية هو أن يطرح هذه التعديلات لا أن يتلقاها من السلطة التنفيذية . إلا أنه وفى حالات استثنائية أجاز القانون للسلطة التنفيذية أن تقترح مشروعات للقوانين وهى حالة استثنائية لا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها فإذا تصورنا أن الغالب الأعم من هذه التشريعات أصبح يقدم بواسطة السلطة التنفيذية وكاد دور المجلس التشريعي أن يتلقى كافة القوانين مع مناقشة ما يأتي إليه من الحكومة فإن المجتمع المصري قد يقبل ذلك على علاته ولكن لا ينبغى أن يسرى هذا الوضع على التعديلات الدستورية التى ينبغى أن من نبض الشارع المصرى وهذا الشارع لا يمثله إلا نواب الشعب "البرلمان".
النقطة الثالثة : أنه يمكن تقسيم هذه التعديلات إلى مجموعات من المواد مجموعها هو أربعة وثلاثون مادة "34" مادة وقد جاء ما يزيد عن عشر مواد من تلك المواد ليقوم بإلغاء النظام الاشتراكي فى المادة الأولى "1" والرابعة "4" وما يسمى بالسلوك الإشتراكى فى المادة الثانية عشر "12" وإلغاء نظرية القطاع العام وسيطرة الشعب على كل مواد الإنتاج فى المادة "24" و "30" و "33" ويفتح باب الملكية للأرض الزراعية بإلغاء ما يسمى بالحد الأقصى للملكية والمنصوص عليه فى المادة "37" وإلغاء ما يسمى بالسلوك الإشتراكى للنقابات والاتحادات المهنية فى المادة "56" وإلغاء ما يسمى بالمكاسب الاشتراكية فى المادة "59" وإلغاء مكاسب النضال الشعبي الاشتراكي وما تبع هذه العبارة من وجوب حماية هذه المكاسب بواسطة القوات المسلحة وذلك فى المادة "180" . وهذه المجموعة من المواد كلها هدفها تدعيم ما هو قائم بالفعل فقد تم تصفية القطاع العام منذ مدة طويلة وثم إلغاء هذه المواد بسلوك منفرد من الحكومة وتم بيع القطاع العام رغم أنف الاعتراضات على تصفية كثير من الهيئات والمؤسسات الحيوية أو بيعها . وبالتالي فإن هذه المواد ليست هى المستهدفة بالتعديل وإنما يأتى تعديلها من باب حماية الإجراءات التي تمت بالمخالفة للدستور خلال السنوات السابقة . النقطة الرابعة : أن المستهدف الحقيقي من التعديلات يأتي فى المواد التالية : أ- المادة الخامسة : وهى التى سيضاف فيها فقرة لمنع تكوين أحزاب على أساس دينى وسيتم صياغتها بصورة تشير الى أن هذا النص يحافظ على الوحدة الوطنية وهذا النص يعتبر من النصوص التى أعدت خصيصاً لمواجهة النجاح الذى تحقق للإخوان المسلمين فى الانتخابات البرلمانية والذى أصبح يشكل تهديداً حقيقياً على الحزب الوطنى باعتبار أن نسبة نجاح أعضاءه لم تتجاوز 30% من الأعضاء رغم كل المساندات المؤسسية له وعلى ذلك فإننا يجب أن نبين الفرق بين والحزب الدينى وبين الحزب صاحب المرجعية الإسلامية . فبينما يمثل الأول شكلاً من أشكال الدولة "الثيوقراطية" أو الدينية فإن الحزب ذو المرجعية الدينية لا يمثل ذلك ولا يشير إلى ذلك بل إنه أشبه بنظام المحافظين الذين يهتمون باصولهم التاريخية وثوابتهم الوطنية وهذا الفهم ينطبق على جميع الأحزاب المصرية والتى تنص فى موادها على وجوب احترام القواعد الإسلامية كمرجعية ثابتة . ومع ذلك فإن المادة الخامسة سوف تقوم على إضافة منع تكوين الدولة أو الحزب الدينى مع تعمد التسوية الحزب الدينى وبين الحزب الذى له مرجعية دينية وهذه تسوية غير عادلة وهى مقصودة لذاتها . ب- ومن المستهدفات أيضاً : إنقاذ فكرة انتخاب رئيس الجمهورية من الضمور فقد اعتمد النظام المصرى على فكرة الترشيح والانتخاب كقارب للإنقاذ وكعنوان جيد يدخل به إلى القرن الواحد والعشرين فقام بتعديل المادة "76" بصورة تضمن للرئيس الدخول فى معركة رئاسية مضمونة النتائج إلا أن الأزمة التى يقابلها النظام انه لن يجد متنافسين لتغطية شكل الانتخابات بصفة عامة من أجل ذلك فإن المادة "76" من الدستور سيتم تعديلها لانقاذ الشكل فقط دون المضمون وليدخل الرئيس القادم فى عملية انتخابية ولو من حيث الشكل. النقطة الخامسة : ونفرد لهذه النقطة عنواناً يعبر عن حقيقتها وهو إلغاء الإشراف القضائى ذلك أنه بعد أن تم تدعيم الإشراف القضائى بمقتضى حكم المحكمة الدستورية والذى وضع النظام الحاكم أمام طريق وحيد وهو وجوب الإشراف القضائي تم التخطيط بعد ذلك مباشرة لإلغاء هذا الإشراف فكانت المرحلة الأولى هى إلغاء الإشراف القضائى على المحليات بمقتضى مشروع القانون المقدم من العضو البرلمانى "أبو النجا المحريزى" نائب سوهاج وقد تم اعتماد هذا القانون فى جلسة سريعة لتأتى بعد ذلك لجنة الانتخابات الرئاسية والتى تشكل من بعض الأعضاء القضائيين وعددهم ثلاثة هــم :ـ • رئيس المحكمة الدستورية العليا . • رئيس محكمة استئناف القاهرة . • وأقدم نواب رئيس مجلس الدولة . ألا أن هؤلاء الثلاثة يقابلهم خمسة من الشخصيات العامة يختار ثلاثة منهم مجلس الشعب ويختار اثنين منهم مجلس الشورى وهذا يعنى أن الغلبة هى من الشخصيات العامة وهو تطور إلى الأسوأ بعد أن كانت الشخصيات العامة يتم اختيارها بعدد مساوٍ للهيئات القضائية فى المحاكم الاستثنائية " محكمة القيم" و"محكمة شؤون الأحزاب" ونعتقد أن هذه اللجنة سيمتد إشرافها على الانتخابات البرلمانية وربما يضاف إلى تشكليها عناصر أخرى ذلك أن قرارات هذه اللجنة تصدر بأغلبية أعضاء اللجنة وهى مع الأسف قرارات محصنة ونهائية ونافذة بذاتها وغير قابلة للطعن عليها بأى طريقة، كما لا يجوز التعرض لقراراتها بالتأويل أو بوقف التنفيذ وقد جاءت كل هذه المواصفات بنص المادة "76" ونحن نتوقع بالطبع أن يمتد اختصاص هذه اللجنة بما عليها من مآخذ إلى الإشراف على الانتخابات البرلمانية أو على الأقل صياغة لجنة مشابهة للإشراف على أى انتخابات مقبلة ونتوقع أيضاً تعديلاً لنظام الانتخابات بأن يتم فى يوم واحد ويكون النظام بذلك يصنع العقبة التى تحول دون إشراف القضاء وبالتالى فإن من المتوقع أن يتم الإشراف على الانتخابات بواسطة الموظفين العموميين وأعضاء لهم سلطة الضبطية القضائية وأعضاء من الهيئات القضائية ويظهر دور القضاه فقط فى اللجان العامة حيث يبتعد القاضى عن الصندوق وبالتالى يتم إجهاض ما تم بواسطة المحكمة الدستورية وفقاً لتشكيلاتها السابقة . النقطة السادسة : أما بقية المواد والتى تتعلق بمنح مجلس الشعب سلطات فى مواجهة السلطة التنفيذية المواد " 115 ، 118 ، 127 ، 133، 136 ، 138 ، 194 ، 195.." فكلها إضافات شكلية فى ظل نظام يفتقد إلى تداول السلطة ويتحكم فى عضوية البرلمان من حيث العدد والكيفية. النقطة الأخيرة : أما ما سيتم إضافته بشأن النصوص الخاصة بحماية الدولة من الإرهاب فإن ذلك بالقطع لن يحول دون حق رئيس الجمهورية فى إعلان حالة الطوارئ مرة أخرى ولكننا نؤكد مع ذلك أن ذلك النص "قانون الإرهاب" سيكون أشد بطبيعة الحال من " قانون الطوارئ" ذاته وذلك لعدة أسباب: 1- أنه سيكون فى نطاق القوانين العادية . 2- أنه سيعطى للنيابة سلطات واسعة فى قضايا الإرهاب وللشرطة أيضاً . 3- أن هذا الإرهاب سيترك تحديده من حيث الموضوع ومدى انطباقه على الدعوى القضائية للنيابة العامة . 4- أن التدخل القضائى لن يكون عاملاً مسعفاً لإنقاذ المواطن العادى بعد أن تطبق عليه قواعد القانون واستثناءات القبض والتفتيش وقد سبق تجربة هذه النصوص وهذا التحايل حينما فرضت الجهة التنفيذية فى عام 1993 قانوناً سمى بقانون الإرهاب وتم تعديل المواد "86 ، 86مكرر" وما بعد ذلك من قانون العقوبات وأعطيت النيابة سلطات واسعة ولكن مع الأسف تم تطبيق هذه المواد كلها على التنظيمات السلمية وقد اعترض على ذلك النائب فكرى الجزار وقتئذ و آخرون.
وأخــــيراً : فإن هذه هى بعض الملاحظات لا كل الملاحظات وقد سقناها على عجل لضيق الوقت وندعو الله أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ما ينفعنا .
" والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته "
|
| |||||||||